دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الـمـسـؤولـيـة والـجـزاء في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الـمـسـؤولـيـة والـجـزاء في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـم الـدرس
تـمـهـيـد
1 – ضـبـط مـفـهـوم الـمـســؤولـيـة.
2 – شــــــــــــروط الـمـســؤولـيــة.
3 – أنـــــــــواع الـمـســؤولـيــة.
4 – الـعـلاقـة بـيـن الـمـسـؤولـيـتـين الاجـتـمـاعـيـة والأخـلاقـيـة.
5 – إشــكــالـــيــة الـجـزاء.
6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.
7 – أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.

تـمـهـيـد :

تـقـوم المـسـؤولـيـة عـلـى أركـان ثـلاثـة هـي : ( الالـزام – والمـسـؤولـيـة – والجـزاء ) فـالـقـانـون الأخـلاقـي يـبـدأ بـأن يـوجـه دعـوتـه إلـى إرادتـنـا الـطـيـبـة فـيـلـزمـنـا بـأن نـسـتـجـيـب لـتـلـك الـدعـوة، وبـمـجـرد أن نـسـتـجـيـب لـهـا أو نـمـتــنـع، نـتـحـمـل مـسـؤولـيـتـنـا. ثــم عـلـى إثـر اسـتـجـابـتـنـا أو امـتـنـاعـنـا يـقـوم الـقـانـون مـوقـفـنـا حـيـالـه وهـذا الـجـزاء.

وهـكـذا إذا انـتـفـى الالـزام انـتـفـت الـمـسـؤولـيـة، وانـتـفـى مـعـهـا الـجـزاء لأنـه نـتـيـجـة مـنـطـقـيـة لـهـا، إذ لا يـسـتـقـيـم مـع الـعـدل أن يـسـتـوي الـخـبـيـث والـطـيـب والـشـريـر والـخـيـر. كـمـا لا يـسـتـقـيـم مـع الـعـدل أن يـتـرك الـمـجـرم بـلاعـقـاب ويـحـرم الـمـحـسـن مـن الـثـواب، ولـو بـكـلـمـة طـيــبــيــة.

ولـذلـك أيـضـا نـجـد الـمـسـؤولـيـة قـائـمـة عـلـى الـحـريـة، فـالإنـسـان الـمـقـيـد بـقـيـود خـارجـيـة أو داخـلـيـة، لا يـمـكـن أن يـكـون مـسـؤولا، لأنـه بـسـبـب ذلـك الـتـقـيـد يـعـتـبـر غـيـر حـرّ، ولـكـن مـاذا نـقـصـد بـالـقـيـود الـخـارجـيـة والـداخـلـيـة ؟

إن الـقـيـود الـخـارجـيـة هـي كـل مـا يـحـد مـن حـريـة الـفـرد ويـمـنـعـه مـن الـعـمـل ويـكـون مـصـدره خـارجـا عـن ذات الـفـرد مـثـل الـحـكـومـات الـتـي تـفـرض عـلـى شـعـوبـهـا مـذاهـب سـيـاسـيـة واجـتـمـاعـيـة مـعـيّـنـة بـالـقـوة، ومـثـل الـظـروف الـخـارجـيـة كـالـحـوداث الـمـفـاجـئـة الـتـي تـقـيـد الـفـرد بـقـيـود الـلـحـظـة، وتـحـجـب عـنـه اعـتـبـارات عـديـدة كـان عـلـيـه أن يـراعـيـهـا فـي اتـخـاذ مـوقـفـه، فـالاسـتـعـمـار مـثـلا يـعـتـبـر قـيـدا خـارجـيـا وكـذلـك الـحـرفـة والـمـهـنـة والـعـادة …الخ.

أمـا الـقـيـود الـداخـلـيـة فـتـتـمـثـل فـي الـمـبـاديء والأفـكـار الـمـتـسـلـطـة عـلـى الـفـرد فـتـعـوقـه عـن الـتـفـكـيـر الـسـلـيـم وتـشـكـل عـوائـق إبـسـتـمـولـوجـيـة بـالـنـسـبـة إلـيـه ومـثـل الـدوافـع والأهـواء والـشـهـوات الـمـسـيـطـرة عـلـيـه. ومـثـل الـعـادات والـتـقـالـيـد الـبـالـيـة الـمـتـحـكـمـة فـي الـفـرد والـمـتـمـكـنـة مـنـه.

ولـذلـك نـقـول إن أولـئـك الـذيـن حـاولـوا تـضـيـيـق مـجـال الـمـسـؤوالـيـة الـخـلـقـيـة بـواسـطـة مـذاهـب الـلـذة والـمـنـفـعـة، إنـمـا يـحـصـرون الـمـسـؤولـيـة، الأخـلاقـيـة فـي نـطـاق ضـيـق جـدّا تـافـه لا يـتـفـق مـع كـرامـة الإنـسـان وأهـدافـه الـسـامـيـة فـالـمـسـؤولـيـة الأخـلاقـيـة

أرقـى مـن الـمـسـؤولـيـة الاجـتـمـاعـيـة لأنـهـا تـتـسـم بـالـسـمـوّ عـن الـواقـع إلـىالـمـثـل الأعـلـى. ولا تـتـقـيـد بـواقـع مـجـتـمـع مـعـيـن، بـل تـتـجـاوز حـدود الـمـجـتـمـعـات إلـى مـجـال الـمـجـتـمـع الإنـسـانـي كـكـل، كـمـحـمـد (ص) لـم يـعـمـل مـن أجـل إنـقـاذ قـريـش فـقـط، بـل عـمـل مـن أجـل إنقاذ الإنسـانـيـة كـلـهـا مـن الـجـهـل والـعـبـوديـة ومـن الـخـضـوع لـلـحـيـاة الـمـاديـة الـحـيـوانـيـة.

1 – ضـبـط مـفـهـوم الـمـسـؤولـيـة :

حـيـن يـقـوم شـخـص مـا بـارتـكـاب جـريـمـة عـن إصـرار وسـبـق تـرصـد، ونـيـة مـبـيـتـة، بـمـاذا يـشـعـر بـعـد الـقـيـام بـجـريـمـتـه ؟ إنـه يـشـعـر بـالـنـدم والـحـسـرة ؟ وإذا قـرر الـقـيـام بـهـا ثـم تـنـبـه إلـى شـنـاعـة فـعـلـه فـامـتـنـع بـمـاذا يــشـعـر ؟ يـشـعـر بـالـفـرح والـغـبـطـة … وبـمـاذا يـطـالـب الـقـانـون أو الـمـجـتـمـع إذا قـام بـفـعـلـه ذاك ؟ يـطـالـب بـعـقـابـه، وإذا أمـتـنـع عـن الـفـعـل بـمـاذا يـطـالـب الـقـانـون ؟ لا يـطـالـب إلاّ بـشـكـره ومـدحـه والاعـتـراف بـه كـإنـسـان مـسـتـقـيـم خـيَـّر.

هـذا الـشـعـور بـالـفـرح أو الـنـدم، هـذه الـمـطـالـبـه بـالـعـقـاب ؟ أو الـمـدح، إنـمـا تـعـنـي أن الانـسـان مـكـلـف، ومـطـالـب بـتـقـديـم حـسـاب عـن أفـعـالـه الاراديـة إلـى غـيـره، أو إلـى ضـمـيـره، وهـذا الـتـكـلـيـف هـو الـمـسـؤولـيـة.

مـعـنـى الـمـسـرولـيـة : تـعـنـي الـمـسـرولـيـة لـغـويـا أن الإنـسـان مـسـؤول عـن فـعـل قـام بـه في المـاضـي وخلـف وراءه آثـارا مـعـيـنـة. وهـو الـذي يـتـحـمـل تـبـعـة هـذه الآثـار أو الـنـتـائـج.
أمـا اصـطـلاحـا فـالـمـسـؤولـيـة بـصـورة عـامـة هـي :
” لـحـاق الاقـتـضـاء بـصـاحـبـه مـن حـيـث هـو فـاعـلـه ” أو هـي : ” أهـلـيـة الانـسـان لأن يـحـاسـب عـلـى أفـعـالـه “. فـالـفـاعـل لايـكـون مـسـؤولا أو مـطـلـوبـا مـنـه الإجـابـه عـلـى الـتـّـبـعـة الـلازمـة عـن فـعـلـه إلا إذا كـان مـؤهـلا أو كـفـؤا لـتـحـمـل مـا يـتـرتـب عـن أفــعـالـه الإراديـة مـن نـتـائـج. وهـذا يـعـنـي أن لـلـمـسـؤولـيـة شـروط لا تـقـوم إلا بـتـوفـرهـا كـلـهـا؛ أمـا إذا غـاب أحـد هـذه الـشـروط فـإن الـمـسـرولـيـة تـنـتـفـي. فـمـا هـي هـذه الـشـروط ؟

2 – شـروط الـمـسـؤولـيـة :

الـفـرد مـنـا لـيـس مـسـرولا عـن كـل أفـعـالـه، وإنـمـا هـو مـسـؤول فـقـط عـن الأفـعـال الـتـي تـتـوفـر فـيـهـا الـشـروط الـتـالـيـة :

الـشـرط الأول : المـعـرفـة : الإنسـان مسـوول عن الأفعـال التـي ميـز فيـهـا بيـن الـخـيـر والـشـر، أو بـيـن مـا هـو صـالـح ومـا هـو طـالـح. وعـرف نـتـائـجـهـا، ومـايـتـرتـب عـنـهـا مـن تـبـعـات.

فـالـطـفـل والـحـيـوان والـمـجـنـون لـيـسـوا مـسـؤولـيـن عـن أفـعـالـهـم لأنـهـم لا يـدركـون مـايـتـرتــب عـنـهـا مـن نـتـائـج خـيـرة أو شـريـرة صـالـحـة أو طـالـحـة.

الـشـرط الـثـانـي : الـحـريـة : تـتـطـلـب الـمـسـؤولـيـة دائـمـا الـحـريـة، بـل الـحـريـة هـي مـصـدر الـمـسـؤولـيـة، والـحـريـة هـنـا تـعـنـي قـدرة الـفـرد عـلـى الاخـتـيـار والـمـفـاضـلـة بـيـن الأمـور كـمـا تـعـنـي شـعـور الـفـرد بـقـيـمـتـه وأهـلـيـتـه لـتـحـمـل نـتـائـج أفـعـالـه

وهـذا يـعـنـي أن الإنـسـان مـنّـا لا يـكـون مـسـؤولا مـسـؤولـيـة كـامـلـة عـن الأفـعـال الـتـي قـام بـهـا تـحـت ضـغـوط أو قـيـود داخـلـيـة أو خـارجـيـة.
فـالـفـرد الـذي يـقـوم بـجـريـمـة مّـا تـنـفـيـذا لأمـر سـلـطـة أعـلـى مــنـه أو تـنـفـيـذا لأمـر شـخـص آخـر يـهـدده بـالـمـوت لا يـعـد مـسـؤولا مـسـؤولـيـة كـامـلـة، وكـذلـك مـن يـقـوم بـجـريـمـة تـحـت ضـغـوط داخـلـيـة كـالانـفـعـال الـشـديـد، وفـقـدان الـسـيـطـرة عـلـى الأعـصـاب.

الـشـرط الـثـالـث : الـعـقـل : إن حـريـة الإرادة تـقـتـضـي كـائـنـا عـاقـلا، وهـذا يـعـنـي أن الـمـسـؤولـيـة لا تـقـع عـلـى الـمـجـنـون أو الـمـعـتـوه لـذهـاب عـقـلـه، وقـصـور إدراكـه، ولا عـلـى الـطـفـل لـعـدم اكـتـمـال نـمـوه الـعـقـلـي والـنـفـسـي والاجـتـمـاعـي.

الـشـرط الـرابـع : الـنـيـة : إن الـمـجـرم الـذي يـقــصـد إلـى جـريـمـتـه ويـقـوم بـهـا عـن إصـرار وسـبـق تـرصـد، يـتـلـقـى حـكـمـا أشـد وأعـنـف مـن الـحـكـم الـذي يـتـلـقـاه شـخـص آخـر قـام بـنـفـس الـجـريـمـة عـن غـيـر قـصـد أو عـن خـطـا. فـالـنّـيـة إذن تـتـدخـل فـي تـحـديـد الـمـسـؤولـيـة، وتـؤثـر فـيـهـا شـدة وتـخـفـيـفـا. ومـن غـيـر الـعـدل أن يـتـسـاوى الـجـزاء بـيـن الـقـاتـل عـمـدا والـقـاتـل خـطـأ بـالـرغـم مـن أن الـنـتـيـجـة واحـدة هـي الـقـتـل.

3 – أنـواع الـمـسـؤولـيـة :
إن الـشـعـور بـالـمـسـؤولـيـة يـنـشـأ عـنـد الـفـرد الإنـسـانـي مـن مـصـدريـن أسـاسـيـيـن هـمـا : الـمـصـدر الإجـتـمـاعـي ويـتـمـثـل فـي جـمـلـة الـخـبـرات الاجـتـمـاعـيـة الـتـي يـمـربـهـا الـفـرد
أو مـن الأوامـر والـنـواهـي الـتـي يـتـلـقـاهـا الـصـغـار مـن الـكـبـار. والـمـصـدر الأخـلاقـي الـذي وإن كـان الـفـرد يـعـتـمـد عـلـى الـخـبـرات الاجـتـمـاعـيـة، إلاّ أنـه يـأخـذ اتـجـاهـا ذاتـيـا يـشـعـر فـيـه بـأنـه هـو مـصـدر أفـعـالـه ومـنـشـئـهـا، وأنـه هـو الـسـبـب فـيـمـا يـــنــتـج عـن أفـعـالـه مـن نـتـائـج، وبـهـذا يـمـكـنـنـا أن نـحـدد نـوعـيـن مـن الـمـسـؤولـيـة هـمـا :

الـنـوع الأول : الـمـسـؤولـيـة الاجـتـمـاعـيـة : وهـي مـسـؤولـيـة الـفـرد عـن أفـعـالـه حـيـال الـسـلـطـة الاجـتـمـاعـيـة، ومـا تـمـثـلـه مـن أعـراف وتـقـالـيـد وعـادات ورأي عـام، وتـتـمـيـز هـذه الـمـسـؤولـيـة بـعـودة الـسـلـطـة فـيـهـا لـلـقـانـون أ والـعـرف، وتـكـون الـعـبـرة فـيـهـا بـالـضـرر والـنـتـائـج وقـد تـكـون الـمـسـؤولـيـة الإجـتـمـاعـيـة جـنـائـيـة نـاتـجـة عـن الأفـعـال الإجـرامـيـة ويـكـون الـجـزاء فـيـهـا ( قـصـاصًـا ) أو تـكـون مـدنـيـة نـاتـجـة عـن إلـحـاق الـضـرر بـالـغـيـر، أو بـمـمـتـلـكـاتـهـم كـتـكـسـيـر زجـاج الـنـوافـذ، أو سـرقـة شـيـئ مّـا لـلـغـيـر ويـكـون الـجـزاء فـيـهـا تـعـويـضـا عـن الـضـرر. فـالـفـرد الـذي يـسـرق شـيـئـا مّـا لـغـيـره مـطـالـب بـرد مـا سـرقـه، أو تـعـويـضـه بـمـثـلـه أو بـمـا يـقـابـلـه مـن ثـمـن.

الـنـوع الـثـانـي : الـمـسـؤولـيـة الأخـلاقـيـة : وهـي الـتـي يـشـعـر بـهـا صـاحـب الـفـعـل، إمـا بـشـعـور الارتـيـاح إذا قـام بـالـواجـب، أو بـالـنـدم إذا خـالـف بـفـعـلـه أمـر الـواجـب، وتــشـتـرط هـذه الـمـسـؤولـيـة الـعـقـل الـمـمـيـز بـيـن الـخـيـر والـشـر. والـحـريـة فـي اخـتـيـار أحـدهـمـا وتـفـضـيـلـه عـن الآخـر.
و هـي مـسـؤولـيـة داخـلـيـة، و لـذلـك فـهـي لا تـحـاسـب الـفـاعـل علـى نتـائـج أفعـاله فحـسـب، بل وعـلـى نوايـاه أيـضـا، حتـى وإن لم يـقـم الشـخـص بفـعـل يؤثـر به في العـالـم الخـارجـي. فهـي إذا تقـوم علـى النـيـة والسـلـطـة فيـهـا تـعـود إلـى الـضـمـيـر لا إلـى الـمـجـتـمـع.
هـذا الـشـعـور مـن طـرفـه بـالارتـيـاح أو الـنـدم وهـذه الـمـطـالـبـة بـمـعـاقـبـتـه أو مـدحـه هـو الـذى نـسـمـيـه الـجـزاء.
فـالـجـزاء إذن هـو ردّ فـعـل الـقـانـون عـلـى مـوقـف الأشـخـاص الـخـاضـعـيـن لـهـذا الـقـانـون أو هـو الـمـكـافـأة عـلـى الـفـعـل. إن خـيـرا فـثـواب وإن شـرًا فـعـقـاب. ولـكـن الـجـزاء لـيـس عـلـى صـورة واحـده بـل هـو صـور مـتـعـددة مـنـهـا :

أ -الـجـزاء الأخـلاقـي : ويـظـهـر فـي صـورة شـعـور الـفـاعـل بـالـرضـي والـفـرح عـنـد أداء الـواجـب، أو بـالـحـسـرة والـنـدم والـتـبـكـيـت عـنـد مـخـالـفـتـه.

ب – الـجـزاء الاجـتـمـاعـي : الـذي يـظـهـر فــي صـورة قـصـاص أو تـعـويـض عـنـد مـخـالـفـة الـقـانـون الـوضـعـي أو الـشـرعـي. وفــي صـــورة مــدح وذم مـن طــــرف الآخـريــــــــــن عـنـد مـخـالـــفـــــــة
الـعــــــــــــــرف والــــــــــتـقـالـيــــد الاجـتـمـاعـيــــــــــــــة.
ونـسـأل الآن هـل الـجـزاء مـشـروع ؟ ومـا الـغـرض مــنـه ؟ وقـف الـفـلاسـفـة والـمـفـكـرون مـن هـذه الاشـكـالـيـة مـوقـفـيـن مـتـنــاقـضـيـن هـمـا أصـحـاب الـنـزعـة الـعـقـلــيـة وأصـحـاب الـنـزعـة الـوضـعـيـة.

أولا : الـنـزعـة الـعـقـلـيـة : لـقـد بـيـن أفـلاطـون ( 429 – 347 ق.م ) ” أن الـبـشـر يـخـطـئـون حـيـن يـتـهـمـون الـقـضـاء والـقـدر ويـعـلـقـون عـلـيـهـمـا نـتـائـج أفـعـالـهـم، فـي حـيـن أن الـلـه بـريء وهـم مـسـؤولـون عـن اخـتـيـارهـم الـحـر “.
وقـد ذهـب الـمـعـتـزلـة نـفـس الـمـذهـب حـيـن أكـدوا قـدرة الإنـسـان عـلـى خـلـق أفـعـالـه، لأنـه قـادر بـعـقـلـه عـلـى الـتـمـيـيـز بـيـن الــخـيـر والـشـر، وبـالـتـالـي فـهـو مـكـلـف ومـسـؤول عـن أفـعـالـه.
ويـرى كـانـط بـدوره أن الـشـريـر يـخـتـار فـعـلـه بـإرداتـه بـعـيـدا عـن تـأثـيـر الأسـبـاب والـبـواعـث. فـهـو بـحـريـتـه مـسـؤول ويـجـب أن يـجـازى عـلـى أفـعـالـه، وهـكـذا نـسـتـنـتـج أن هـذه الـنـظـريـة تــؤكـد عـلـى ضـرورة مـعـاقـبـة الـمـجـرم أو فـاعـل الـشـر وتـربـط الـجـزاء بـحـريـة الإنـسـان وقـدرتـه عـلـى الاخـتـيـار وبـيـن الإقـدام عـلـى الـفـعـل أو تـركـه.
وتـرى أن الإنـسـان لا يـمـكـنـه أن يـفـعـل الـخـيـر إلاّ إذا تـحـرر مـن دوافـع الـشـر، ومـن هـنـا فـالـغـرض مـن الـجـزاء أو الـعـقـاب عـن فـعـل مـا لـيـس الـغـرض مـنـه تـحـقـيـق مـنـفـعـة لـلـمـجـتـمـع بـتـقـلـيـل عـدد الـمـجـرمـيـن، وتـحـقـيـق مـصـلـحـة الـمـجـتـمـع، وتـوفـيـر الأمـن والاسـتـقـرار الاجـتـمـاعـي. وإنـمـا الـغـرض الأسـاسـي هـو الـتــكـفـيـر عـن الـذنـب الـذي لـوّث بـه قـيـمـة الـعـدل وعـكـر صـفـاءهـا وهـو أيـضـا تـطـهـيـر الـنـفـس مـن الـدّنـس الـذي لـحـق بـهـا نـتـيـجـة الأفـعـال الـسـيـئـة.

مــنــاقــشــة :

أول مـانـلاحـظ عـلـى هـذه الـنـظـريـة هـو اعـتـبـارهـا الـمـسـؤولـيـة فـرديـة بـطـبـيـعـتـهـا وهـذا خـطـأ، لأن الأبـحـاث الاجـتـمـاعـيـة أكـدت أن الـمـسـؤولـيـة بـدأت جـمـاعـيـة ثـم تـحـولـت إلـى فـرديـة بـعـد تـطـور طـويـل فـي حـيـاة الـبـشـر الاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة. فـالـفـرد قـديـمـا كـان ذائـبـا فـي قـبـيـلـتـه، وحـيـن يـقـوم بـفـعـل سيـئ ضـد قـبـيـلـة أخـرى لايـعـاقـب وحـده، بـل تـعـاقـب قـبـيـلـتـه كـلـهـا مـن طـرف الـقـبـيـلـة الأخـرى. أمـا الآن فـالـعـقـاب فـردي يــسـلـط عـلـى الـفـاعـل مـبـاشـرة.
وإذا كـان الـجـزاء ضـروري لـردع الـفـاعـل، فـإن لـفـعـل الـفـاعـل أسـبـاب ودوافـع لا بـد أن تـراعـى فـي تـحـديـد درجـة الـجـزاء. لـكـن هـذه الـنـظـريـة تـتـجـاهـل الـدوافـع والأسـبـاب الـتـي تـحـد مـن تـصـرفـاتـنـا ومـسـؤولـيـاتـنـا.
ثـم أنـهـا تـربـط الـجـزاء بـالـمـاضـي وهـذا لايـؤكـد إلاّ نـصـف الـحـقـيـقـة. فـالـجـزاء لا بـد أن يـكـون مـوجـهـا أيـضـا لـلـمـسـتـقـبـل لـحـمـايـة الـمـجـتـمـع.
هـذا ونـلاحـظ أيـضـا أن نـفـي الـدوافـع والأسـبـاب يـعـنـي أن الإنـسـان كـان حـرًّا حـريـة مـطـلـقـة فـي فـعـلـه والـقـول بـالـحـريـة الـمـطـلـقـة إنـمـا هـو نـفـي لـلـحـريـة وبـالـتـالـي لـلـمـسـؤولـيـة. وقـد قـال ( لاشـولـيـي ) : ” إن الـفـعـل الـذي يـحـدث عـن حـريـة مـطـلـقـة، يـعـد فـعـلا مـسـتـقـلا عـن أي أسـلـوب فـي الـتـفـكـيـر، وفـي الإحـسـاس، سـواء كـان هـذا الأسـلـوب فـطـريـا أو مـكـتـسـبـا. وعـلـى هـذا يـعـد غـريـبـا عـن كـل مـا يـؤلـف طـبـعـنـا الـشـخـصـي ولـيـس لـنـا أي مـبـرر لـنـنـسـبـه إلـيـنـا أو لـنـعـتـبـر أنـفـسـنـا مـسـؤولـيـن عـنـه.

ثـانـيـا : الـنـزعـة الـوضـعـيـة : يرى أنصاره هذه النـزعـة أمـثـال ( لامـبـروزو – Lambrozo ) و ( فـيـري Firry ) أن الإجـرام فـعـل لا يـتـعـلـق بـالإرادة.

بـل يـنـشـأ آلـيـا إمـا بـتـأثـيـر الـعـوامـل الـوراثـيـة، أو بـتـأثـيـر الـعـوامـل الاجـتـمـاعـيـة والـظـروف الـتـي يـوضـع فـيـهـا الـفـرد، أو بـتـأثـيـر الـعـوامـل الـنـفـسـيـة.
فـقـد بـيـن لامـبـروزو أن فـعـل الـجـريـمـة يـعـود إلـى الاسـتـعـداد الـطـبـيـعـي لـلإجـرام عـنـد الأفـراد الـمـجـرمـيـن.
أمـا فـيـري فـيـرده إلـى حـتـمـيـة الـظـروف الاجـتـمـاعـيـة كـالـفـقـر الـشـديـد، والـغـنـاء الـفـاحـش، والـظـلـم والاسـتـبـداد.
ونـتـيـجـة لـهـذا الـتـفـسـيـر دعـا هـؤلاء إلـى ضـروره إصـلاح الـفـرد لا مـعـاقـبـتـه وإلـى ضـرورة الـتـخـلـص مـن الـمـجـرمـيـن غـيـر الـقـابـلـيـن لـلإصـلاح.
أمـا الـغـرض مـن الـجـزاء عـنـدهـم فـهـو وقـايـة الـمـجـتـمـع مـن تـكـرار أفـعـال الإجـرام، وهـذا يـتـطـلـب إصـلاح الـمـجـرمـيـن لا مـعـاقـبـتـهـم.

مــنــاقــشــة :

أصـحـاب الـنـزعـة الـوضـعـيـة يـرفـعـون الـمـسـؤولـيـة عـن الـمـجـرمـيـن مـادامـوا مـدفـوعـيـن إلـيـهـا دفـعـا بـحـكـم الـعـوامـل الاجـتـمـاعـيـة والـنـفـسـيـة والـبـيـولـوجـيـة الـخـارجـة عـن إرادتـهـم. وفـي ذلـك تـشـجـيـع عـلـى الإجـرام وفـتـح الـطـريـق، أمـام الأشـخـاص الـخـطـيـريـن عـلـى الـمـجـتـمـع لارتـكـاب أفـعـالـهـم الإجـرامـيـة دون عـقـاب فـيـهـددون أمـن الـمـجـتـمـع وسـلامـتـه.

الاســتــنــتــاج :

إن الـعـقـوبـة لـيـسـت مـجـرد دفـاع عـن الـمـجـتـمـع ولا هـي مـجـرد إصـلاح لـلـفـرد بـل هـي أسـاسـا جـزاء يـقـيـم الـعـدل ويـحـمـيـه وتـعـويـض لا بـد مـن تـقـديـمـه، ومـن هـنـا فـلا بـد أن تـتـحـدد الـمـسـؤولـيـة ابـتـداء مـن مـثـل أعـلـى قـائـم فـي الـوجـدان الـجـمـاعـي ومـمـتـد فـي أعـمـاق الـفـرد، وهـذا يـسـتـلـزم مـراعـاة الـعـوامـل الـداخـلـيـة لـلـفـرد والـعـوامـل الـخـارجـيـة الـمـحـيـطـة بـه فـي تـحـديـد الـمـسـؤولـيـة والـجـزاء وإنـزال الـعـقـاب.
فـالـجـزاء يـكـون مـشـروعـا إذا تـحـدد عـلـى أسـاس مـراعـاة حـالات الـمـجـرم وخـطـورة الـجـريـمـة فـي نـفـس الـوقـت. وذلـك إرضـاءً لـلـجـانـب الأخـلاقـي الـمـطـالـب بـحـمـايـة الـقـيـم الـسـامـيـة، والـجـانـب الاجـتـمـاعـي الـمـطـالـب بـحـمـايـة الـمـجـتـمـع.

6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

مـلاحـظـــــة : سـنـقـدم لـك نـمـوذجـا لـمـقـالـة اسـتـقـصـائـيـة.
الـســـــؤال : يـرى بـعـض الـمـفـكـريـن أن الإنـسـان لا يـكـون مـسـؤولا عـن أفـعـالـه مـالـم يـكـن مـسـؤولا عـن أفـكـاره ” مـارأيـك ؟
مـلاحـظـة : يمكن تحليل هذا القـول بطريقة استـقـصـائـيـة هـكـذا (انـظـر الـتـصـحـيـح الـذاتـي ).

7 – أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

الـمـقـدمــــة : إذا كـان سـلـوكـنـا غـيـر مـتـحـرر تـمـامـا مـن الـعـوامـل الـبـيـولـوجـيـة والـدوافـع الـنـفـسـيـة والـظـروف الاجـتـمـاعـيـة. فـمـتـى نـكـون مـسـؤولـون عـن أفـعـالـنـا ؟
طـبـيـعـة الـمـوضـوع : الـمـسـؤولـيـة فـي صـورتـهـا الـعـامـة مـعـنـاهـا أن يـكـون الإنـسـان مـسـؤولا عـن أفـعـالـه أمـام سـلـطـة داخـلـيـة هـي الـضـمـيـر، وأمـام سـلـطـة خـارجـيـة هـي الـمـجـتـمـع والـقـانـون، فـهـل هـذا مـمـكـن بـالـنـسـبـة لـلإنـسـان الـواقـعـي ؟
وجـود الـمـوضـوع : ذهـب أنـصـار الـمـدرسـة الـوضـعـيـة ومـنـهـم لا مـبـروزو وفـيـري وفـرويـد إلـى رفـع الـمـسـؤولـيـة عـن الإنـسـان لأن أفـعـالـه تـنـشـأ آلـيًـا بـتـأثـيـر عـوامـل وراثـيـة بـيـولـوجـيـة ونـفـسـيـة شـعـوريـة ولا شـعـوريـة، وأخـرى اجـتـمـاعـيـة. ومـادامـت هـذه الأفـعـال هـي الـصـانـعـة لـسـلـوكـه وأفـعـالـه، فـإنـهـا هـي الـمـسـؤولـة عـنـهـا ولـيـس هـو.
لـكـن هـذه الـمـدرسـة تـحـمـل الـمـسـؤولـيـة الـظـروف وتـبـعـدهـا عـن الإنـسـان فـإنـهـا تـنـظـر إلـى الإنـسـان نـظـرة آلـيـة، فـتـرفـع عـنـه أيـة مـسـؤولـيـة وتـشـجـعـه عـلـى الإجـرام وارتـكـاب الـشـرور.
قـيـمـة الـمـوضـوع : هـذه الـنـزعـة جـاءت كـرد فـعـل عـلـى الـنـزعـة الـمـثـالـيـة الـتـي حـمـلّـت الإنـسـان مـسـؤولـيـة مـطـلـقـة عـلـى أفـعـالـه فـتـطـرفـت بـدورهـا ونـفـت الـمـسـؤولـيـة تـمـامـا عـن الـفـرد فـكـان أن قـضـت عـلـى الأخـلاق تـمـامـا.
لـكـن الـواقـع يـؤكـد قـيـام الـمـسـؤولـيـة بـدلـيـل وجـود الـتـكـلـيـف والـشـرا ئـع والـقـوانـيـن والـمـحـاكـم. وإن كـانـت قـائـمـة عـلـى أسـبـاب ودوافـع لا بـدّ مـن مـراعـاتـهـا.

الـخـاتـمـة : يـكـون الإنـسـان مـسـؤولا عـن أفـعـالـه إذا تـوفـرت فـيـهـا شـروط الـمـسـؤولـيـة مـن عـقـل وحـريـة وقـدرة عـلـى اتـخـاذ الـقـرارات وتـنـفـيـذهـا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock