دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس

تـمـهـيـد
1 – العلـم و التـّكنولوجـيا و مـشـكـلـة مـصيـر الإنـسان.
2 – الـفـلـسـفـة و مـصـيـر الإنـسـان.
3- الـدّيـن و مـوقـفـه مـن مـصـيـر الإنـسـان.
4- أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
5 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.

تـمـهـيـد :

لا يـمـكـن لأيـة ذاكـرة إنـسـانـيـة الإلـمـام بـالـمـعـارف الـتـي أصـبـحـت الـبـشـريـة مـالـكـة إيـّاهـا الـيـوم، و حـتـى فـي الاخـتـصـاص الـواحـد يـتـعـذّر ذلـك. ابـتـكـر الإنـسـان ذاكـرة آلـيـة و هـذا دلـيـل عـلـى ضـخـامـة الـتـراكـم الـمـعـارفـي. و كـل هـذه الـمـعـارف لـم تـشـفِ غـلـيـل الإنـسـان، إذ تـبـقـى قـضـايـا كـثـيـرة مـحـلّ تـسـاؤلات تـرفـق الـفـكـرتـلاحـقـه، مـن بـيـنـهـا مـشـكـلـة الـمصـيـر، خـاصـّة و أن الإنـسـان هـو الـكـائـن والـوحـيـد الـذي وضـع نـفـسـه مـوضـع تـسـاؤل : -مـاهـو ؟ مـا أصـل وجـوده ؟ و مـا غـايـتـه ؟ وإلـى أيـن يـؤول ؟ تـلـكـم هـي تـسـاؤلات تـلازم الـوجـود الإنـسـانـي و بـالـرغـم مـن انـغـمـاسـه فـي شـؤون حـيـاتـه الـيـومـيـة، فـإنـه يـشـعـر دائـمـا بـرغـبـتـه فـي مـعـرفـة مـاهـّيـتـه، وبـالـخـصـوص حـيـنـمـا تـتـأزم مـواقـف حـيـاتـه. قـد يـلـجـأ إلـى الـسّـحـر والـتـنـجـيـم طـامـحـاً و طـامـعـاً فـي إيـجـاد ضـالـتـه عـلـى الـرغـم مـن غـرابـة هـذه الـوسـائـل و بـعـدهـا عـن الـعـقـل و الـمـنـطـق. إنـه لـمـن الـطـبـيـعـي أن تـشـار مـشـكـلـة الـمـصـيـر الإنـسـانـي و هـي إشـكـالـيـة قـائـمـة لـيـس فـي حـقـل الـفـكـر الـفـلـسـفـي فـقـط.

الـعـلـم و الـتـكـنـولـوجـيـا و مـصـيـر الإنـسـان :

الـطـريـق الـوحـيـد الـذي يـعـرف بـه الإنـسـان مـاهـيـّيـتـه هـو الـعـلـم، لـقـد بـيـّن عـلـم الأحـيـاء الـمـتـمـاثـلـة بـيـن الإنـسـان و الـحـيـوان مـن حـيـث الـبـنـيـة الـبـيـولـوجـيـة، و قـد اعـتـبـر ( دارويـن Darwin 1809 – 1882 ) صـاحـب ( نـظـريـة الـتـّطـور ) الإنـسـان خـلاصـة الـكـائـنـات الـحـيـّة، إنـه حـيـوان مـن طـراز خـاص يـقـع فـي آخـر الـسـلـسـلـة والـطـريـق الـوحـيـد نـحـو الـكـمـال فـي نـظـر الـعـلـمـاء والـتـكـنـولـوجـيـيـن، هـو الـعـلـم والإيـمـان بـمـسـتـقـبـل الـعـلـم، فـهـو بـلا شـك سـيـسـعـد الإنـسـان و لـيـس مـن الـمـسـتـبـعـد أن تـصـبـح الـسـعـادة الـتـي تـخـيـّلـهـا ظـانـا اسـتـحـالـة وجـودهـا، سـعـادة واقـعـيـة فـي دنـيـا الـعـلـن و الـتـكـنـولـوجـيـا الـلـذان يـعـمـلان لأجـلـهـا، و لـيـسـت الـقـصـص الـخـيـالـيـة و الأسـاطـيـر الـتـي تـخـيـلـهـا الـشـعـراء قـديـمـا إلاّ أحـلامـاً يـكـاد الـعـلـم أن يـحـقـقـهـا حـديـثـا. لـقـد اقـتـرب مـن إمـكـانـيـة لـجـم الـذرة و الـتـصـرف بـطـاقـتـهـا لأغراض الـصـنـاعـة و الـزراعـة، و ظـهـرت بـوادر حـسـنـة فـي عـلـم الـحـيـاة بـواسـطـة الاسـتـمـنـاء الـمـوجـّه، و بـواسـطـة عـمـلـيـة الـتـهـجـيـن فـي الـخـلـيـة الـجـنسـيـة، و الـوصـول مـن ذلـك عـلـى أنـواع مـن الـحـيـوانـات والـنـبـاتـات تـقـوى و تـثـبـت أمـام عـوادي الـطـبـيـعـة. و هـنـاك تـجـارب تـكـلـّلـت بـالـنـجـاح فـي اخـتـبـارات الـتـهـجـيـن، كـتـلـك الـتـي قـام بـهـا الـعـامـلان الـسـويـدان ( هـاجـفـسـت و بـَان ) بـاسـتـيـلاد زوج مـن الأرانـب عـمـلاق بـالـنـسـبـة لـلأرانـب الـعـاديـة، كـمـا اسـتـطـاع بـعـض الـعـلـمـاء فـي روسـيـا إيـجـاد أنـواع مـمـتـازة مـن الـخـضـر و الـنـبـاتـات الـعـاديـة الـمـألـوفـة كـالـبـنـدورة والـبـاذنـجـان و الـكـتـان، و تـولـيـد أنـواع جـديـدة خـصـبـة، لـهـا قـوة عـلـى مـقـاومـة عـوامـل الـطـبـيـعـة، و لـيـس مـن الـمـسـتـبـعـد أن تـتـحـقـق هـذه الـتـجـارب فـي الإنـسـان يـومـا مـّا فـيـصـيـر الإنـسـان عـمـلاقـا أو عـفـريـتـا، فـيـضـحـى الـعـلـم يـقـظـة، و الـخـيـال حـقـيـقـة. و لا ريـب مـن أن يـتـوصـّل الـعـلـم إلـى فـهـم نـظـام الـخـلـيـة الـحـيـّة فـهـمـاً دقـيـقـا و عـنـدئـد يـصـبـح قـادرا عـلـى تـوجـيـه صـفـات الـكـائـن الـحـي كـمـا يـريـدهـا.

مـنـاقـشـة :
إن الـنـظـريـة الـعـلـمـيـّة غـيـر كـافـيـة لـتـفـسـيـر مـاهـيـّة الإنـسـان، فـكـائـنـنـا الـواعـي مـا يـزال بـحـاجـة إلـى نـظـريـة جـديـدة تـفـسـر لـنـا مـعـنـى وعـيـه و تـطـوّر هـذا الـوعـي. و أثـره فـي مـادة الـجـسـم ونـقـاطـهـا، و إنـسـانـنـا الـحـّاضـر لـيـس خـلاصـة نـوعـه و سـلالـتـه، إنـه نـتـيـجـة وعـيـه و إدراكـه.
لـقـد دعـا الـجـراح الأنـجـلـيـزي ( ألـيـكـس كـاريـل ) صـاحــــــب كـتـــاب ” الإنـسـان ذلـك الـمـجـهـول “ دعـوة مـلـحـّة دراسـة الإنـسـان كـكـلّ شـامـل بـنـفـسـه و جـسـده، الإنـسـان لا يـتـوقـف عـلـى جـانـبـي الـجـسـم والـنـفـس فـحـسـب إذ لـه جـوانـب أخـرى ربـّمـا أكـثـرهـا لازال مـجـهـولا، ولـذلـك قـال الـعـالـم الـنـفـسـي ( رولـوماي ) : ” إذا كـنـا عـازمـيـن عـلـى أن لـدرس الإنـسـان و نـفـهـمـه فـنـحـن بـحـاجـة إلـى نـمـوذج إنـسـانـي “.

2 – الـفـلـسـفـة و مـصـيـر الإنـسـان :

يـرى الـفـلاسـفـة أنـّه مـن الـخـطـإ الـجـسـيـم اعـتـبـار مـسـتـقـبـل الإنـسـان مـرتـبـطـا بـمـا يـصـل إلـيـه مـن ابـتـكـار عـلـمـي تـكـنـولـوجـي فـنـظـرة بـسـيـطـة إلـى مـجـتـمـعـات الـمـدنـيـة الـحـاضـرة و مـا تـعـانـيـه مـن أمـراض و مـا يـلـّم بـهـا مـن آلام وقـلـق تـؤكـد لـنـا هـذا الـخـطـأ، فـلا الـكـهـربـاء و لا الـذّرة، و لا جـمـيـع الـرفـاهـيـة الـحـديـثـة اسـتـطـاعـت أن تـجـعـل الإنـسـان قـويـا ذا مـنـاعـة تـقـيـه الـمـرض و الألـم والـخـوف مـن إمـكـانـيـة الـفـنـاء نـتـيـجـة الأسـلـحـة الـذريـة.
الـمـدنـيـة الـحـديـثـة سـلـبـتـه أشـيـاء كـثـيـرة دون أن نـعـوضـه بـشـيء ذي قـيـمـة، و هـنـا تـبـرز مـهـمـة الـفـلـسـفـة و مـهـمـّة الـفـعـل الـفـلـسـفـي الـذي يـنـبـغـي تـطـويـره فـي جـمـيـع الـمـبـاحـث، مـبـحـث الـوجـود، مـبـحـث الـمـعـرفـة، و مـبـحـث الـقـيـم الأخـلاقـيـة والـجـمـالـيـة. لـقـد أَفـرطـت الإنـسـانـيـة فـي الـتـقـدم الـعـلـمـي والـتـكـنـولـوجـي و فـرّطـت فـي الـتـقـدم الـفـلـسـفـي.
إنّ إنـسـانـيـة هـذا الـقـرن مـشـلـولـة أحـد رِجـلـيـهـا، كـونـهـا ركـّزت عـلـى الـطـريـقـة الـتـّجـريـبـيـة أكـثـر مـن تـركـيـزهـا عـلـى الـتـأمـّل، ومـسـتـقـبـل الإنـسـانـيـة مـرهـون بـمـدى تـقـدمـهـا فـي الـمـجـال الـفـلـسـفـي أورد الـفـلاسـفـة تـعـريـفـات مـخـتـلـفـة لـلإنـسـان، مـنـهـا أنـه كـائـن عـاقـل، يـتـكـلـم، اجـتـمـاعـي، سـيـاسـي، أخـلاقـي، ذو أبـعـاد. عـنـد (هـيـدجـر) يـعـي الـمـاضـي و الـحـاضـر والـمـسـتـقـبـل، كـائـن حـرّ . وكـل هـذه الـمـمـيـزات لا يـمـكـنـهـا بـنـاء تـعـريـف دقـيـق مـبـيـّن لـجـمـيـع الـصـغـات الـمـاهـويـّة لـلـكـائـن الـبـشـري، فـلا زلـنـا بـحـاجـة إلـى فـلـسـفـة، بـل فـلـسـفـات تـنـيـر لـنـا هـذه الـمـاهـيـّة و تـبـصـّرنـا بـمـا يـؤول إلـيـه هـذا الـكـائـن الـُّغـز.

مـنـاقـشـة :
إذا كـانـت الـطـريـقـة الـعـلـمـيـّة وحـدهـا عـاجـزة عـن حـل مـشـكـلـة الـمـصـيـر، فـمـا الـمـبـّرر مـن أن طـريـقـة الـتـأمـل سـتـكـون قـادرة عـلـى حـل لـغـز الـمـصـيـر.
فـمـا الـمـانـع مـن وجـود مـنـهـج آخـر مـجـهـول لـحـد الآن يـفـوق الـطـريـقـة الـتـّجـريـبـيـة والـطـريـقـة الـفـلـسـفـيـة مـعـاً ؟.

3 – الـدّيـن ومـصـيـر الإنـسـان :

تـرى الأديـان الـسـّمـاويـة مـن مـسـيـحـيـة و إسـلام أن الإنـسـان لـم يـوجـد فـوق هـذه الرض لـمـجـرّد الـصـدف و لـم يـخـلـق عـبـثـا، و لـيـس هـو مـجـرّد حـدث عـرضـي بـدون غـايـة، إنـه مـخـلـوق لـم يـقـتـرب مـن الـكـمـال الـروحـانـي، ولا يـقـتـرب مـن هـذا الـكـمـال إلاّ بـخـضـوعـه لـلأوامـر الإلـلـهـيـة. ومـصـيـر الإنـسـان الـحـقـيـقـي هـو مـصـيـر فـوق أرضـي، إنـه كـائـن مـسـافـر كـمـا قـال ( غـابـريـال مـارسـال ) مـسـافـر فـي هـذا الـعـالـم، ينـتـهـي به الـسـّفـر إلـى الـعـالـم الإلـهـي حـيـث يـتـحـقـقـ مـصـيـره الأبـدي.
و الإيـمـان بـالـيـوم الآخـر فـي الإسـلام جـزء مـن الإيـمـان و قـد عـبـّر عـنـه الـقـرآن الـكـريـم بـالـيـوم الآخـر، و أرشـد إلـى أنـه خـاتـمـة الـمـطـاف بـالإنـسـان، و أن إلـيـه تـنـتـهـي الـغـايـة مـن خـلـق الإنـسـان و “أن لـيـسَ لـلإنـسـان إلا مـا سـعـى و أنّ سـعـيـَه سـوف يـُرى، ثـم يـُجـزاه الـجـزاء الأوفـى و أنّ إلـى رّبـك الـمـنـتـهـى ” ( سـورة الـنـجـم، الآيـات 39 -42 ). و الـنـعـيـم أو الـجـحـيـم مـرتـبـط بـمـا اخـتـاره لـنـفـيـه فـي الـحـيـاة الـدنـيـا، فـهـي دار جـزاء عـلـى مـا قـّدم مـن عـمـل، و قـد عـبـّر عـن نـعـيـمـه
و جـحـيـمـه بـالـجـنـّة و الـنـار. و قـد أشـعـر الـلـّه سـبـحـانـه و تـعـالـى الإنـسـان أنـه بـسـَط الـكـون أمـامـه و سـخـره لـه لـيـعـمـل و يـكـافـح ” هـو الـذي خـلـق لـكـم الأرض جـمـيـعـا ” -(سـورة الـبـقـرة – الآيـة 29)
وفـي هـذا الـسـبـيـل سـخـّر لـه الـشـمـس و الـقـمـر، والـلـيـل و الـنـهـار و الأرض والـجـبـال، ووجـهـه إلـى الـبـحـث و الـنـظـر فـي هـذا الـكـون، واسـتـخـراج أسـراره، والانـتـفـاع بـذخـائـره كـمـا جـاء فـي سـورة الأعـراف، الآيـة 32 ” قـل مـن حـرّم زيـنـةَ الله الـتـي أخـرج لـعـبـاده و الـطـيـّبـات مـن الـرزق ” .
وكـانـت عـنـايـة الإسـلام بـالـخـُلـق عـنـايـة عـظـيـمـة، و قـد كـثـرت تـوصـيـات الـرسـول صـلـى الـلـّه عـلـيـه و سـلـم فـي هـذا الـجـانـب حـتـى قـال : ” أثـقـل مـا يـوضـع فـي الـمـيـزان يـوم الـقـيـامـة تـقـوى الـلـّه و حـسـن الـخـُلـُق ” .

4 – أسـئـلـة الـتـّصـيـح الـذّاتـي :

مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان مـن أكـثـر الـمـشـاكـل اسـتـعـصـاء عـلـى الـعـلـم و عـلـى الـفـلـسـفـة. بـيـّن ذلـك .
قال محـمد عـبده في كـتابـه ( الإسـلام و الـنـّصـرانـيـة بـيـن العـلم و المدنـيـة ) :
” فـإذا جـمـع سـائـق الأنـفـس و مـُزجـيـهـا و مـرشـدهـا و هـاديـهـا بـيـن شـاحـذيـن، شـاحـذ الـتـمـتـع بـمـتـاع الـحـيـاة الـدنـيـا، و شـاحـذ الـرغـبـة فـي الـنـعـيـم الـدائـم فـي الآخـرة. فـقـد جـمـع لـهـا كـل مـا يـسـمـو بـهـا الـرضـا فـي الـدون و فـي الآخـرة بـعـذاب الـهـون، فـتـرى كـل نـفـس تـمـضـي مـع اسـتـعـداد بـشـهـامـة فـؤادهـا مـضـاء الـزمـيـع و لا تـخـشـى الـعـثـرة بـالـوعـيـد، و لا تـقـعـد عـن مـطـلـبـهـا قـعـدة الـرعـديـد فـتـطـلـب مـنـافـعـهـا مـن هـذا الـكـون الـذي وجـدت فـيـه ووجـد لـهـا، فـتـسـيـر فـي مـنـاكـب الأرض و لا تـكـتـفـي عـن الـكـل بـالـبـعـض. و تـبـحـث فـي تـربـتـهـا و لا يـقـف بـهـا ظـاهـرهـا عـن بـاطـنـهـا، ولا يـحـجـبـهـا ظـاهـرهـا عـن مـدِيـدهـا إلـى مـا فـي جـوفـهـا، و لا تـجـد مـا يـصـدّهـا عـن الـنـظـر فـي الـهـواء و الـبـحـث فـي الـمـاء. و الاهـتـداء بـنـجـوم الـسـمـاء، بـعـد مـعـرفـة مـواقـعـهـا و حـركـتـهـا فـي مـداركـهـا، و إسـتـقـامـتـهـا وإنـحـرافـهـا و ظـهـورهـا وخـنـوسـهـا، وبـالـجـمـلـة فـكـل مـسـتـعـد لـوجـه مـن وجـوه الـنـظـر أو الـولـوج فـي بـاب مـن أبـواب الـعـلـم، يـنـطـلـق إلـى حـيـث يـبـلـغ بـه اسـتـعـداده، إمـا لـلـنـجـاة مـن ضـرورة، و إمـا لاسـتـتـمـام مـنـفـعـة أو اسـتـكـمـال لـذة لا يـجـد مـن نـواهـي الـدّيـن مـا يـصـده عـن مـطـلـب، و لا يـكـف يـده عـن تـنـاول رغـيـبـه، أيـن هـذا مـن ذلـك الـذي لا يـرى الـخـلاص إلاّ فـي مـجـافـاة هـذا الـعـالـم و لـذائـذه، و يـجـد أن الـغـنـى والـثـروة مـن الـحـجـب الـتـي لا تـخـرق، تـحـول بـيـنـه و بـيـن مـلـكـوت الـسـّمـوات ؟.
– أكـتـب مـقـالاً فـلـسـفـيّـا تـحـلـّل فـيـه هـذا الـنـّص.

الـزمـيـع :
هـو الـحـازم الـقـوي الـعـزيـمـة، يـزمـع عـلـى الأمـر فـيـمـضـي فـيـه ولا يـنـثـنـي، و الـجـيـّد الـرأي الـمـقـدام.

الـرّعـديـد :
الـجـبـان الـكـثـيـر الارتـعـاد.

5 – أجـوبـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :
مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس

تـمـهـيـد
1 – العلـم و التـّكنولوجـيا و مـشـكـلـة مـصيـر الإنـسان.
2 – الـفـلـسـفـة و مـصـيـر الإنـسـان.
3- الـدّيـن و مـوقـفـه مـن مـصـيـر الإنـسـان.
4- أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
5 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.

تـمـهـيـد :

لا يـمـكـن لأيـة ذاكـرة إنـسـانـيـة الإلـمـام بـالـمـعـارف الـتـي أصـبـحـت الـبـشـريـة مـالـكـة إيـّاهـا الـيـوم، و حـتـى فـي الاخـتـصـاص الـواحـد يـتـعـذّر ذلـك. ابـتـكـر الإنـسـان ذاكـرة آلـيـة و هـذا دلـيـل عـلـى ضـخـامـة الـتـراكـم الـمـعـارفـي. و كـل هـذه الـمـعـارف لـم تـشـفِ غـلـيـل الإنـسـان، إذ تـبـقـى قـضـايـا كـثـيـرة مـحـلّ تـسـاؤلات تـرفـق الـفـكـرتـلاحـقـه، مـن بـيـنـهـا مـشـكـلـة الـمصـيـر، خـاصـّة و أن الإنـسـان هـو الـكـائـن والـوحـيـد الـذي وضـع نـفـسـه مـوضـع تـسـاؤل : -مـاهـو ؟ مـا أصـل وجـوده ؟ و مـا غـايـتـه ؟ وإلـى أيـن يـؤول ؟ تـلـكـم هـي تـسـاؤلات تـلازم الـوجـود الإنـسـانـي و بـالـرغـم مـن انـغـمـاسـه فـي شـؤون حـيـاتـه الـيـومـيـة، فـإنـه يـشـعـر دائـمـا بـرغـبـتـه فـي مـعـرفـة مـاهـّيـتـه، وبـالـخـصـوص حـيـنـمـا تـتـأزم مـواقـف حـيـاتـه. قـد يـلـجـأ إلـى الـسّـحـر والـتـنـجـيـم طـامـحـاً و طـامـعـاً فـي إيـجـاد ضـالـتـه عـلـى الـرغـم مـن غـرابـة هـذه الـوسـائـل و بـعـدهـا عـن الـعـقـل و الـمـنـطـق. إنـه لـمـن الـطـبـيـعـي أن تـشـار مـشـكـلـة الـمـصـيـر الإنـسـانـي و هـي إشـكـالـيـة قـائـمـة لـيـس فـي حـقـل الـفـكـر الـفـلـسـفـي فـقـط.

الـعـلـم و الـتـكـنـولـوجـيـا و مـصـيـر الإنـسـان :

الـطـريـق الـوحـيـد الـذي يـعـرف بـه الإنـسـان مـاهـيـّيـتـه هـو الـعـلـم، لـقـد بـيـّن عـلـم الأحـيـاء الـمـتـمـاثـلـة بـيـن الإنـسـان و الـحـيـوان مـن حـيـث الـبـنـيـة الـبـيـولـوجـيـة، و قـد اعـتـبـر ( دارويـن Darwin 1809 – 1882 ) صـاحـب ( نـظـريـة الـتـّطـور ) الإنـسـان خـلاصـة الـكـائـنـات الـحـيـّة، إنـه حـيـوان مـن طـراز خـاص يـقـع فـي آخـر الـسـلـسـلـة والـطـريـق الـوحـيـد نـحـو الـكـمـال فـي نـظـر الـعـلـمـاء والـتـكـنـولـوجـيـيـن، هـو الـعـلـم والإيـمـان بـمـسـتـقـبـل الـعـلـم، فـهـو بـلا شـك سـيـسـعـد الإنـسـان و لـيـس مـن الـمـسـتـبـعـد أن تـصـبـح الـسـعـادة الـتـي تـخـيـّلـهـا ظـانـا اسـتـحـالـة وجـودهـا، سـعـادة واقـعـيـة فـي دنـيـا الـعـلـن و الـتـكـنـولـوجـيـا الـلـذان يـعـمـلان لأجـلـهـا، و لـيـسـت الـقـصـص الـخـيـالـيـة و الأسـاطـيـر الـتـي تـخـيـلـهـا الـشـعـراء قـديـمـا إلاّ أحـلامـاً يـكـاد الـعـلـم أن يـحـقـقـهـا حـديـثـا. لـقـد اقـتـرب مـن إمـكـانـيـة لـجـم الـذرة و الـتـصـرف بـطـاقـتـهـا لأغراض الـصـنـاعـة و الـزراعـة، و ظـهـرت بـوادر حـسـنـة فـي عـلـم الـحـيـاة بـواسـطـة الاسـتـمـنـاء الـمـوجـّه، و بـواسـطـة عـمـلـيـة الـتـهـجـيـن فـي الـخـلـيـة الـجـنسـيـة، و الـوصـول مـن ذلـك عـلـى أنـواع مـن الـحـيـوانـات والـنـبـاتـات تـقـوى و تـثـبـت أمـام عـوادي الـطـبـيـعـة. و هـنـاك تـجـارب تـكـلـّلـت بـالـنـجـاح فـي اخـتـبـارات الـتـهـجـيـن، كـتـلـك الـتـي قـام بـهـا الـعـامـلان الـسـويـدان ( هـاجـفـسـت و بـَان ) بـاسـتـيـلاد زوج مـن الأرانـب عـمـلاق بـالـنـسـبـة لـلأرانـب الـعـاديـة، كـمـا اسـتـطـاع بـعـض الـعـلـمـاء فـي روسـيـا إيـجـاد أنـواع مـمـتـازة مـن الـخـضـر و الـنـبـاتـات الـعـاديـة الـمـألـوفـة كـالـبـنـدورة والـبـاذنـجـان و الـكـتـان، و تـولـيـد أنـواع جـديـدة خـصـبـة، لـهـا قـوة عـلـى مـقـاومـة عـوامـل الـطـبـيـعـة، و لـيـس مـن الـمـسـتـبـعـد أن تـتـحـقـق هـذه الـتـجـارب فـي الإنـسـان يـومـا مـّا فـيـصـيـر الإنـسـان عـمـلاقـا أو عـفـريـتـا، فـيـضـحـى الـعـلـم يـقـظـة، و الـخـيـال حـقـيـقـة. و لا ريـب مـن أن يـتـوصـّل الـعـلـم إلـى فـهـم نـظـام الـخـلـيـة الـحـيـّة فـهـمـاً دقـيـقـا و عـنـدئـد يـصـبـح قـادرا عـلـى تـوجـيـه صـفـات الـكـائـن الـحـي كـمـا يـريـدهـا.

مـنـاقـشـة :
إن الـنـظـريـة الـعـلـمـيـّة غـيـر كـافـيـة لـتـفـسـيـر مـاهـيـّة الإنـسـان، فـكـائـنـنـا الـواعـي مـا يـزال بـحـاجـة إلـى نـظـريـة جـديـدة تـفـسـر لـنـا مـعـنـى وعـيـه و تـطـوّر هـذا الـوعـي. و أثـره فـي مـادة الـجـسـم ونـقـاطـهـا، و إنـسـانـنـا الـحـّاضـر لـيـس خـلاصـة نـوعـه و سـلالـتـه، إنـه نـتـيـجـة وعـيـه و إدراكـه.
لـقـد دعـا الـجـراح الأنـجـلـيـزي ( ألـيـكـس كـاريـل ) صـاحــــــب كـتـــاب ” الإنـسـان ذلـك الـمـجـهـول “ دعـوة مـلـحـّة دراسـة الإنـسـان كـكـلّ شـامـل بـنـفـسـه و جـسـده، الإنـسـان لا يـتـوقـف عـلـى جـانـبـي الـجـسـم والـنـفـس فـحـسـب إذ لـه جـوانـب أخـرى ربـّمـا أكـثـرهـا لازال مـجـهـولا، ولـذلـك قـال الـعـالـم الـنـفـسـي ( رولـوماي ) : ” إذا كـنـا عـازمـيـن عـلـى أن لـدرس الإنـسـان و نـفـهـمـه فـنـحـن بـحـاجـة إلـى نـمـوذج إنـسـانـي “.

2 – الـفـلـسـفـة و مـصـيـر الإنـسـان :

يـرى الـفـلاسـفـة أنـّه مـن الـخـطـإ الـجـسـيـم اعـتـبـار مـسـتـقـبـل الإنـسـان مـرتـبـطـا بـمـا يـصـل إلـيـه مـن ابـتـكـار عـلـمـي تـكـنـولـوجـي فـنـظـرة بـسـيـطـة إلـى مـجـتـمـعـات الـمـدنـيـة الـحـاضـرة و مـا تـعـانـيـه مـن أمـراض و مـا يـلـّم بـهـا مـن آلام وقـلـق تـؤكـد لـنـا هـذا الـخـطـأ، فـلا الـكـهـربـاء و لا الـذّرة، و لا جـمـيـع الـرفـاهـيـة الـحـديـثـة اسـتـطـاعـت أن تـجـعـل الإنـسـان قـويـا ذا مـنـاعـة تـقـيـه الـمـرض و الألـم والـخـوف مـن إمـكـانـيـة الـفـنـاء نـتـيـجـة الأسـلـحـة الـذريـة.
الـمـدنـيـة الـحـديـثـة سـلـبـتـه أشـيـاء كـثـيـرة دون أن نـعـوضـه بـشـيء ذي قـيـمـة، و هـنـا تـبـرز مـهـمـة الـفـلـسـفـة و مـهـمـّة الـفـعـل الـفـلـسـفـي الـذي يـنـبـغـي تـطـويـره فـي جـمـيـع الـمـبـاحـث، مـبـحـث الـوجـود، مـبـحـث الـمـعـرفـة، و مـبـحـث الـقـيـم الأخـلاقـيـة والـجـمـالـيـة. لـقـد أَفـرطـت الإنـسـانـيـة فـي الـتـقـدم الـعـلـمـي والـتـكـنـولـوجـي و فـرّطـت فـي الـتـقـدم الـفـلـسـفـي.
إنّ إنـسـانـيـة هـذا الـقـرن مـشـلـولـة أحـد رِجـلـيـهـا، كـونـهـا ركـّزت عـلـى الـطـريـقـة الـتـّجـريـبـيـة أكـثـر مـن تـركـيـزهـا عـلـى الـتـأمـّل، ومـسـتـقـبـل الإنـسـانـيـة مـرهـون بـمـدى تـقـدمـهـا فـي الـمـجـال الـفـلـسـفـي أورد الـفـلاسـفـة تـعـريـفـات مـخـتـلـفـة لـلإنـسـان، مـنـهـا أنـه كـائـن عـاقـل، يـتـكـلـم، اجـتـمـاعـي، سـيـاسـي، أخـلاقـي، ذو أبـعـاد. عـنـد (هـيـدجـر) يـعـي الـمـاضـي و الـحـاضـر والـمـسـتـقـبـل، كـائـن حـرّ . وكـل هـذه الـمـمـيـزات لا يـمـكـنـهـا بـنـاء تـعـريـف دقـيـق مـبـيـّن لـجـمـيـع الـصـغـات الـمـاهـويـّة لـلـكـائـن الـبـشـري، فـلا زلـنـا بـحـاجـة إلـى فـلـسـفـة، بـل فـلـسـفـات تـنـيـر لـنـا هـذه الـمـاهـيـّة و تـبـصـّرنـا بـمـا يـؤول إلـيـه هـذا الـكـائـن الـُّغـز.

مـنـاقـشـة :
إذا كـانـت الـطـريـقـة الـعـلـمـيـّة وحـدهـا عـاجـزة عـن حـل مـشـكـلـة الـمـصـيـر، فـمـا الـمـبـّرر مـن أن طـريـقـة الـتـأمـل سـتـكـون قـادرة عـلـى حـل لـغـز الـمـصـيـر.
فـمـا الـمـانـع مـن وجـود مـنـهـج آخـر مـجـهـول لـحـد الآن يـفـوق الـطـريـقـة الـتـّجـريـبـيـة والـطـريـقـة الـفـلـسـفـيـة مـعـاً ؟.

3 – الـدّيـن ومـصـيـر الإنـسـان :

تـرى الأديـان الـسـّمـاويـة مـن مـسـيـحـيـة و إسـلام أن الإنـسـان لـم يـوجـد فـوق هـذه الرض لـمـجـرّد الـصـدف و لـم يـخـلـق عـبـثـا، و لـيـس هـو مـجـرّد حـدث عـرضـي بـدون غـايـة، إنـه مـخـلـوق لـم يـقـتـرب مـن الـكـمـال الـروحـانـي، ولا يـقـتـرب مـن هـذا الـكـمـال إلاّ بـخـضـوعـه لـلأوامـر الإلـلـهـيـة. ومـصـيـر الإنـسـان الـحـقـيـقـي هـو مـصـيـر فـوق أرضـي، إنـه كـائـن مـسـافـر كـمـا قـال ( غـابـريـال مـارسـال ) مـسـافـر فـي هـذا الـعـالـم، ينـتـهـي به الـسـّفـر إلـى الـعـالـم الإلـهـي حـيـث يـتـحـقـقـ مـصـيـره الأبـدي.
و الإيـمـان بـالـيـوم الآخـر فـي الإسـلام جـزء مـن الإيـمـان و قـد عـبـّر عـنـه الـقـرآن الـكـريـم بـالـيـوم الآخـر، و أرشـد إلـى أنـه خـاتـمـة الـمـطـاف بـالإنـسـان، و أن إلـيـه تـنـتـهـي الـغـايـة مـن خـلـق الإنـسـان و “أن لـيـسَ لـلإنـسـان إلا مـا سـعـى و أنّ سـعـيـَه سـوف يـُرى، ثـم يـُجـزاه الـجـزاء الأوفـى و أنّ إلـى رّبـك الـمـنـتـهـى ” ( سـورة الـنـجـم، الآيـات 39 -42 ). و الـنـعـيـم أو الـجـحـيـم مـرتـبـط بـمـا اخـتـاره لـنـفـيـه فـي الـحـيـاة الـدنـيـا، فـهـي دار جـزاء عـلـى مـا قـّدم مـن عـمـل، و قـد عـبـّر عـن نـعـيـمـه
و جـحـيـمـه بـالـجـنـّة و الـنـار. و قـد أشـعـر الـلـّه سـبـحـانـه و تـعـالـى الإنـسـان أنـه بـسـَط الـكـون أمـامـه و سـخـره لـه لـيـعـمـل و يـكـافـح ” هـو الـذي خـلـق لـكـم الأرض جـمـيـعـا ” -(سـورة الـبـقـرة – الآيـة 29)
وفـي هـذا الـسـبـيـل سـخـّر لـه الـشـمـس و الـقـمـر، والـلـيـل و الـنـهـار و الأرض والـجـبـال، ووجـهـه إلـى الـبـحـث و الـنـظـر فـي هـذا الـكـون، واسـتـخـراج أسـراره، والانـتـفـاع بـذخـائـره كـمـا جـاء فـي سـورة الأعـراف، الآيـة 32 ” قـل مـن حـرّم زيـنـةَ الله الـتـي أخـرج لـعـبـاده و الـطـيـّبـات مـن الـرزق ” .
وكـانـت عـنـايـة الإسـلام بـالـخـُلـق عـنـايـة عـظـيـمـة، و قـد كـثـرت تـوصـيـات الـرسـول صـلـى الـلـّه عـلـيـه و سـلـم فـي هـذا الـجـانـب حـتـى قـال : ” أثـقـل مـا يـوضـع فـي الـمـيـزان يـوم الـقـيـامـة تـقـوى الـلـّه و حـسـن الـخـُلـُق ” .

4 – أسـئـلـة الـتـّصـيـح الـذّاتـي :

مـشـكـلـة مـصـيـر الإنـسـان مـن أكـثـر الـمـشـاكـل اسـتـعـصـاء عـلـى الـعـلـم و عـلـى الـفـلـسـفـة. بـيـّن ذلـك .
قال محـمد عـبده في كـتابـه ( الإسـلام و الـنـّصـرانـيـة بـيـن العـلم و المدنـيـة ) :
” فـإذا جـمـع سـائـق الأنـفـس و مـُزجـيـهـا و مـرشـدهـا و هـاديـهـا بـيـن شـاحـذيـن، شـاحـذ الـتـمـتـع بـمـتـاع الـحـيـاة الـدنـيـا، و شـاحـذ الـرغـبـة فـي الـنـعـيـم الـدائـم فـي الآخـرة. فـقـد جـمـع لـهـا كـل مـا يـسـمـو بـهـا الـرضـا فـي الـدون و فـي الآخـرة بـعـذاب الـهـون، فـتـرى كـل نـفـس تـمـضـي مـع اسـتـعـداد بـشـهـامـة فـؤادهـا مـضـاء الـزمـيـع و لا تـخـشـى الـعـثـرة بـالـوعـيـد، و لا تـقـعـد عـن مـطـلـبـهـا قـعـدة الـرعـديـد فـتـطـلـب مـنـافـعـهـا مـن هـذا الـكـون الـذي وجـدت فـيـه ووجـد لـهـا، فـتـسـيـر فـي مـنـاكـب الأرض و لا تـكـتـفـي عـن الـكـل بـالـبـعـض. و تـبـحـث فـي تـربـتـهـا و لا يـقـف بـهـا ظـاهـرهـا عـن بـاطـنـهـا، ولا يـحـجـبـهـا ظـاهـرهـا عـن مـدِيـدهـا إلـى مـا فـي جـوفـهـا، و لا تـجـد مـا يـصـدّهـا عـن الـنـظـر فـي الـهـواء و الـبـحـث فـي الـمـاء. و الاهـتـداء بـنـجـوم الـسـمـاء، بـعـد مـعـرفـة مـواقـعـهـا و حـركـتـهـا فـي مـداركـهـا، و إسـتـقـامـتـهـا وإنـحـرافـهـا و ظـهـورهـا وخـنـوسـهـا، وبـالـجـمـلـة فـكـل مـسـتـعـد لـوجـه مـن وجـوه الـنـظـر أو الـولـوج فـي بـاب مـن أبـواب الـعـلـم، يـنـطـلـق إلـى حـيـث يـبـلـغ بـه اسـتـعـداده، إمـا لـلـنـجـاة مـن ضـرورة، و إمـا لاسـتـتـمـام مـنـفـعـة أو اسـتـكـمـال لـذة لا يـجـد مـن نـواهـي الـدّيـن مـا يـصـده عـن مـطـلـب، و لا يـكـف يـده عـن تـنـاول رغـيـبـه، أيـن هـذا مـن ذلـك الـذي لا يـرى الـخـلاص إلاّ فـي مـجـافـاة هـذا الـعـالـم و لـذائـذه، و يـجـد أن الـغـنـى والـثـروة مـن الـحـجـب الـتـي لا تـخـرق، تـحـول بـيـنـه و بـيـن مـلـكـوت الـسـّمـوات ؟.
– أكـتـب مـقـالاً فـلـسـفـيّـا تـحـلـّل فـيـه هـذا الـنـّص.

الـزمـيـع :
هـو الـحـازم الـقـوي الـعـزيـمـة، يـزمـع عـلـى الأمـر فـيـمـضـي فـيـه ولا يـنـثـنـي، و الـجـيـّد الـرأي الـمـقـدام.

الـرّعـديـد :
الـجـبـان الـكـثـيـر الارتـعـاد.

5 – أجـوبـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :

الـجـواب عـن الـسـؤال الـثـانـي (الـنـص ) :

الـمـقـدمـة :
مـحـمـد بـن عـبـده خـيـر الـلـّه أحـد زعـمـاء الإصـلاح ( 1849 – 1905 ) تـأثـر بـأفـكـار جـمـال الـديـن الأفـغـانـي، و كـانـت لـه فـلـسـفـة نـظـريـّة فـي خـدمـة الإصـلاح و تـأكـيـد شـريـعـتـه و شـروطـه.
و بـرنـامـج مـحمـد عـبـده الإصـلاحـي يـحـتـوي ثـلاث نـقـاط أسـاسـيـة أولـهـا :
– إثـبـات الـجـوهـر الـعـقـلانـي لـلإسـلام ضـد الـتـقـلـيـديـيـن والـخـصـوم الـمـحـدثـيـن مـعـاً، و ثـانـيـهـا : – بـنـاء أسـس الـعـقـيـدة عـلـى أسـس عـصـريـة ( مـتـفـقـة و معـطـيـات الـعـصـر). و ثـالـتـهـا : – إصـلاح الـتـعـلـيـم. و لـتـحـقـيـق الـمـهـمـة الأولـى لا بـدّ مـن مـحـاربـة الـطـرق الـصـوفـيـة الـتـي سـيـطـرت عـلـى أفـكـارالـعـامـة، فـولـّدت الاتـّكـالـيـة وتـرك الـعـمـل و الـجـهـد، و كـذلـك مـحـاربـة أفـكـار الـمـسـتـشـرقـيـن الـذيـن شـوهـوا الـصـورة الـحـقـيـقـية لـلإسـلام، ومـوازاة لـهـذا مـحـاربـة الـتـيـارات الـمـلـحـدة الـمـنـكـرة لـلـمـصـيـر الأخـروي لـلإنـسـان.
فـفـي هـذا الإطـار جـاء الـنـص الـذي بـيـن أيـديـنـا.

الـمـشـكـلـة :
– هل ركز الإسـلام عـلـى مـصـالـح الـدنـيـا أم ركـز عـلـى مـصـالـح الآخـرة ؟

الـتـحـلـيـل :
يـرى مـحـمـد عـبـده أن الله تـبـارك و تـعـالـى خـلـق الـكـائـن الإنـسـانـي بـنـظـام مـنـضـود بـقـايـلـيـة أو إمـكـانـيـة الـتـمـتـّع بـمـتـاع الـدنـيـا، وبـقـابـلـيـة الـنـزوع الـدائـم لـلـنـعـيـم الأخـروي، و الـنـفـس الـبـشـريـة فـطـرهـا خـالـقـهـا بـاسـتـطـاعـة فـعـل الـشـر و بـاسـتـطـاعـة فـعـل الـخـيـر، و إن اخـتـارت الـمـسـلـك الأول فـهـي لا تـنـجـو مـن عـذاب الـهـُون، وإن اخـتـارت الـمـسـلـك أو الـمـنـجـى الـثـانـي عـلـيـهـا أن تـكـون عـازمـة لا تـخـشـى الـوعـد و الـوعـيـد، و فـي الـوقـت نـفـسـه، لا تـنـسـى نـصـيـبـهـا مـن الـدنـيـا عـلـيـهـا بـطـلـب مـنـافـعـهـا فـي هـذا الـكـون بـالـكـدّ والـكـدح لـتـجـنـي ثـمـار عـمـلـهـا و لـيـعـلـم الـمـسـلـم أن الأرض سـخـّرهـا الله لـبـنـي آدم حـتـى يـنـتـفـعـوا مـن مـنـافـعـهـا، فـمـن ذا الـذي يـصـدّهـم عـن الـعـمـل وعـن الـنـّظـر فـي الـهـواء، و الـبـحـث فـي الـمـاء، والاهـتـداء بـنـجـوم الـسـّمـاء ؟ لـقـد فـتـح الإسـلام بـاب الـنـظـر الـعـقـلـي فـلـيـتـدبـروا فـي هـذا الـكـون ويـتـأمـلـوه، كـل قـدرَ مـقـدرتـه و اسـتـعـداده، ولـيـنـطـلـقـوا فـي الـعـلـم، بـه يـتـحـرر الـمـسـلـم و يـتـمـكـن مـن إشـبـاع حـاجـاتـه فـي مـالـم يـحـرّمـه الـشـرع. الإسـلام لـم يـأمـر بـهـجـر هـذا الـعـالـم و مـجـافـاتـه وتـرك لـذائـذه، فـمـن ظـن أن الـغـنـى والـثـروة مـن الأمـور الـتـي مـنـعـهـا الإسـلام أو مـقـتـهـا لـكـونـهـا تـصـدّ عـن الـعـبـادة فـقـد هـوى إلـى هاويـة الـكـذب، إن افسـلام الـحـنـيـف جـمـع بـيـن مـصـالـح الـدّيـن والـدنـيـا.

الـتـقـيـيـم :
يـتـطـرق مـحـمـد عـبـده فـي نـصـًه هـذا إلـى سـلـسـلـة مـن الأفـكـار اسـتـنـتـجـهـا مـن تـعـالـيـم الإسـلام و صـاغـهـا صـيـاغـة تـتـمـاشـى وأسـلـوب عـصـره و ذلـك مـن أجـل تـحـقـيـق الـهـدف الـمـنـشـود و هـو الإصـلاح. و الـنـص مـوجـه إلـى تـلـك الـطـائـفـة مـن الأمـة الإسـلامـيـة الـنـتـمـسـكـة بـتـعـالـيـم الـصـّوفـيـة، و إلـى طـائـفـة الـمـتـأثـّريـن بـالـمـدنـيـة الـغـربـيـة و فـي نـفـس الـوقـت يـتـوجـه بـهـذا الـنـص إلـى مـسـخ أفـكـار بـعـض الـمـسـتـشـرقـيـن الـذيـن شـهـوّهـوا الإسـلام أمـثـال ” تنـمـان ” الـقـائـل فـي كـت0ـابـه “ الـمـخـتـصـر فـي تـاريـخ الـفـلـسـفـة “ تحـت عنـوان عـرب : – أن الـدّيـن الإسـلامـي ديـن شـهـوانـي و أن الـكـتـاب الـمـقدس يـعوق النـظـر الـعـقـلي، وأنه يـطـلـب مـن الـمـرء الإيـمـان الأعـمى.

الـنـتـيـجـة :
لازالـت الأمـة الإسـلامـيـة بـحـاجـة إلـى مـثـل هـذه الـنـصـوص مـادام أمـثـال هـذه الـطـوائـف لاتـزال مـوجـودة.


الـجـواب عـن الـسـؤال الـثـانـي (الـنـص ) :

الـمـقـدمـة :
مـحـمـد بـن عـبـده خـيـر الـلـّه أحـد زعـمـاء الإصـلاح ( 1849 – 1905 ) تـأثـر بـأفـكـار جـمـال الـديـن الأفـغـانـي، و كـانـت لـه فـلـسـفـة نـظـريـّة فـي خـدمـة الإصـلاح و تـأكـيـد شـريـعـتـه و شـروطـه.
و بـرنـامـج مـحمـد عـبـده الإصـلاحـي يـحـتـوي ثـلاث نـقـاط أسـاسـيـة أولـهـا :
– إثـبـات الـجـوهـر الـعـقـلانـي لـلإسـلام ضـد الـتـقـلـيـديـيـن والـخـصـوم الـمـحـدثـيـن مـعـاً، و ثـانـيـهـا : – بـنـاء أسـس الـعـقـيـدة عـلـى أسـس عـصـريـة ( مـتـفـقـة و معـطـيـات الـعـصـر). و ثـالـتـهـا : – إصـلاح الـتـعـلـيـم. و لـتـحـقـيـق الـمـهـمـة الأولـى لا بـدّ مـن مـحـاربـة الـطـرق الـصـوفـيـة الـتـي سـيـطـرت عـلـى أفـكـارالـعـامـة، فـولـّدت الاتـّكـالـيـة وتـرك الـعـمـل و الـجـهـد، و كـذلـك مـحـاربـة أفـكـار الـمـسـتـشـرقـيـن الـذيـن شـوهـوا الـصـورة الـحـقـيـقـية لـلإسـلام، ومـوازاة لـهـذا مـحـاربـة الـتـيـارات الـمـلـحـدة الـمـنـكـرة لـلـمـصـيـر الأخـروي لـلإنـسـان.
فـفـي هـذا الإطـار جـاء الـنـص الـذي بـيـن أيـديـنـا.

الـمـشـكـلـة :
– هل ركز الإسـلام عـلـى مـصـالـح الـدنـيـا أم ركـز عـلـى مـصـالـح الآخـرة ؟

الـتـحـلـيـل :
يـرى مـحـمـد عـبـده أن الله تـبـارك و تـعـالـى خـلـق الـكـائـن الإنـسـانـي بـنـظـام مـنـضـود بـقـايـلـيـة أو إمـكـانـيـة الـتـمـتـّع بـمـتـاع الـدنـيـا، وبـقـابـلـيـة الـنـزوع الـدائـم لـلـنـعـيـم الأخـروي، و الـنـفـس الـبـشـريـة فـطـرهـا خـالـقـهـا بـاسـتـطـاعـة فـعـل الـشـر و بـاسـتـطـاعـة فـعـل الـخـيـر، و إن اخـتـارت الـمـسـلـك الأول فـهـي لا تـنـجـو مـن عـذاب الـهـُون، وإن اخـتـارت الـمـسـلـك أو الـمـنـجـى الـثـانـي عـلـيـهـا أن تـكـون عـازمـة لا تـخـشـى الـوعـد و الـوعـيـد، و فـي الـوقـت نـفـسـه، لا تـنـسـى نـصـيـبـهـا مـن الـدنـيـا عـلـيـهـا بـطـلـب مـنـافـعـهـا فـي هـذا الـكـون بـالـكـدّ والـكـدح لـتـجـنـي ثـمـار عـمـلـهـا و لـيـعـلـم الـمـسـلـم أن الأرض سـخـّرهـا الله لـبـنـي آدم حـتـى يـنـتـفـعـوا مـن مـنـافـعـهـا، فـمـن ذا الـذي يـصـدّهـم عـن الـعـمـل وعـن الـنـّظـر فـي الـهـواء، و الـبـحـث فـي الـمـاء، والاهـتـداء بـنـجـوم الـسـّمـاء ؟ لـقـد فـتـح الإسـلام بـاب الـنـظـر الـعـقـلـي فـلـيـتـدبـروا فـي هـذا الـكـون ويـتـأمـلـوه، كـل قـدرَ مـقـدرتـه و اسـتـعـداده، ولـيـنـطـلـقـوا فـي الـعـلـم، بـه يـتـحـرر الـمـسـلـم و يـتـمـكـن مـن إشـبـاع حـاجـاتـه فـي مـالـم يـحـرّمـه الـشـرع. الإسـلام لـم يـأمـر بـهـجـر هـذا الـعـالـم و مـجـافـاتـه وتـرك لـذائـذه، فـمـن ظـن أن الـغـنـى والـثـروة مـن الأمـور الـتـي مـنـعـهـا الإسـلام أو مـقـتـهـا لـكـونـهـا تـصـدّ عـن الـعـبـادة فـقـد هـوى إلـى هاويـة الـكـذب، إن افسـلام الـحـنـيـف جـمـع بـيـن مـصـالـح الـدّيـن والـدنـيـا.

الـتـقـيـيـم :
يـتـطـرق مـحـمـد عـبـده فـي نـصـًه هـذا إلـى سـلـسـلـة مـن الأفـكـار اسـتـنـتـجـهـا مـن تـعـالـيـم الإسـلام و صـاغـهـا صـيـاغـة تـتـمـاشـى وأسـلـوب عـصـره و ذلـك مـن أجـل تـحـقـيـق الـهـدف الـمـنـشـود و هـو الإصـلاح. و الـنـص مـوجـه إلـى تـلـك الـطـائـفـة مـن الأمـة الإسـلامـيـة الـنـتـمـسـكـة بـتـعـالـيـم الـصـّوفـيـة، و إلـى طـائـفـة الـمـتـأثـّريـن بـالـمـدنـيـة الـغـربـيـة و فـي نـفـس الـوقـت يـتـوجـه بـهـذا الـنـص إلـى مـسـخ أفـكـار بـعـض الـمـسـتـشـرقـيـن الـذيـن شـهـوّهـوا الإسـلام أمـثـال ” تنـمـان ” الـقـائـل فـي كـت0ـابـه “ الـمـخـتـصـر فـي تـاريـخ الـفـلـسـفـة “ تحـت عنـوان عـرب : – أن الـدّيـن الإسـلامـي ديـن شـهـوانـي و أن الـكـتـاب الـمـقدس يـعوق النـظـر الـعـقـلي، وأنه يـطـلـب مـن الـمـرء الإيـمـان الأعـمى.

الـنـتـيـجـة :
لازالـت الأمـة الإسـلامـيـة بـحـاجـة إلـى مـثـل هـذه الـنـصـوص مـادام أمـثـال هـذه الـطـوائـف لاتـزال مـوجـودة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock