دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الذاكرة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الذاكرة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـمـهــيـد.
1 – ضـبـط مـفـهـوم الـذّاكـرة.
2 – تـثـبـيـت الـذكـريـات
3 – نـوعـا الـتّـذكّــر.
أ – الـتـذكـر الـعـفـويّ، ب – الـتـذكـر الإرادي.
4 – طـبـيـعـة الـتّـذكـر.
أ – الـنـظريـة الـماديـة، ب – النـظريـة النـفسـية، جـ – الـنظرية الاجـتـماعـية.
5 – طـبـيـعـة الـنّـسـيـان.
أ – نظرية الترك والصور، ب – نظرية الدوافع، جـ- نظرية التداخل والتعطيل.
6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي
7 – أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.
تـمـهـيــد :
يـمـكـنـنا أن تـتـصـوّر مـخـتـلـف الأشـيـاء الـتـي تـحـيـط بـنـا، تـتـصـوّر الـمـدرسـة الـتـي درسـنـا فـيـهـا فـي الـسّـنـوات الأولـى مـن حـيـاتـنـا، أو صـديـق لـنـا إلـتـقـيـنـا بـه آخـر مـرة. هـذه الـحـالات الـتـي تـحـدث دون أن تـخـضـع لأي مـؤثـر حـسّـي تـسـمّـى “صُـوَرٌ”.
يـمـكـنـك أن تـتـصـوّر درسـا أو مـحـاضـرة حـضـرتـهـا فـي الـسـابـق، ومـعـنـى ذلـك أن لـكـلّ إدراك صـورة، فـالـتـصـور عـلـى هـذا الأسـاس طـريـقـة يـسـتـعـيـد مـن خـلالـهـا الإنـسـان مـخـتـلـف الأشـبـاء، وهـذا مـا يـجـعـلـه يـخـتـلـف مـن افحـسـاس والإدراك، فـمـا يـحـس ويـدرك يـكـون حـاضـرا يـؤثـر فـي الإنـسـان، ومـا يـتـذكـر يـكـون غـالـبـا.
نـسـتـنـتـج غذن أنّ الإدراك لـيـس مـجـرّد تـصـوّر فـوتـوغـرافـي، وإنـمـا عـمـلـيـة عـقـلـيـة، أمـا الـتـذكـر فـيـسـتـمـد عـنـاصـره مـن الـواقـع الـذي سـبـقـتـه مـعـرفـتـه، ويـلـعـب الـعـقـل فـي ذلـك دور الـبـنـاء والـتـركـيـب، إذن (الإدراك والـتـذكـر) يـعـتـمـد أن الـواقـع، لـكـنـهـمـا يـخـتـلـفـان فـي الـخـصـائـص الـتـالـيـة :

1 – فـي أغـلـب الأحـيـان تـكـون الـصـورة أضـعـف فـي الـتـذكّـر مـنـهـا الإدراك، لأن وجـود الـشـيء أمـامـنـا يـقـرض نـفـسـه بـالـلـون، الـشـكـل …. أمـا فـي عـمـلـيـة الـتـذكـر فـالـصـورة ضـعـيـفـة لـغـيـاب عـنـاصـر الـواقـع مـمـا يـجـعـل ذلـك غـامـضـا.

2 – نـادرا مـا تـكـون الـصـورة الـمـتـذكـرة أقـوى مـن الـشـيء الـمـدرك بـسـبـب الـعـواطـف والإنـفـعـالات والأشـواق (وخـاصّة حُـبّـنـا لـشـيء مّـا) مـمـا يـعـني أن الـذاكـرة لـيـسـت مـجـرّد جـهـاز تـسـجـيـل، وإنّـمـا أداة نـفـسـيّـة تـؤثـر فـي الـواقـع بـإضـافـة عـنـاصـر جـديـدة.
الـتـمـيـيـز بـيـن الـتـذكـر، الاسـتـرجـاع، الـتـعـرف
* الـتذكـر : هـو إحـيـاء مـا سـبـق تـعـلّـمـه والإحـتـفـاظ بـه.
* الاسـتـرجـاع : عـمـلـيـة اسـتـحـضـار الـمـاضـي فـي صـور مـخـتـلـفـة ألـفـاظ، حـركـات…. اسـتـرجـاع قـصـيـدة شـعـريـة أو فـكـريّـة.
* الـتـعـرف : – هـو شـعـور الـفـرد أن مـا يـدركـه الان هـو جـزء مـن الـخـبـرات الـسـابـقـة، وهـو مـعروف لـديـه أو مـألــوف، ولـيـس غـريـبـا عـنـه وهـذا يـعـنـي أن عـمـلـيـة الـتـذكـر تـمـرّ بـمـراحـل هـي :
الـتّـحـصـيـل – الاسـتـرحاع – الـتّـعـرف – أو تـحـديـد الـذكـريـات.

1 – ضـبـط مـفـهـوم الـذّاكـرة :


يـتّـضـح مـن الـتـمـهـيـد الـسّـابـق أن الإنـسـان إذا واجـهـتـه مـشـكـلـة مّـا فـإنـه لا يـعـتـمـد فـي مـواجـهـتـه لـهـا عـلـى الـمـعـطـيـات الـحـسّـيـة الـراهـنـة، ولا عـلـى الـمـعـطـيـات الـتـي تـثـيـرهـا فـيـه الـمـشـكـلـة، بـل يـسـتـعـيـن إلـى جـانـب هـذه الـعـوامـل بـخـبـراتـه الـسّـابـقـة، فـالإنـسـان لا يـقـتـصـر فـي سـلـوكـه عـلى الـحـاضـر وحـده كـمـا هـو الـحـال عـنـد الـحـيـوان، بـل هـو يـتـصـرف بـمـسـاعـدة الـمـاصـي، ويـتـخـيـل الـمـسـتـقـبـل ولـذلـك قـيـل : “الإنـسـان كـائـن ذو أبـعـاد”
إنّ هـذه الـعـمـلـيـة الـتـي يـعـود فـيـهـا الإنـسـان إلـى مـاضـيـه لـلإسـتـعـانـة بـه فـي مـواجـهـة الـمـوقـف الـحـاضـر الـرّاهـن هـي الـتـي تـسـمّـى تـذكّـر”.
فـالـتـذكـر إذن عـمـلـيـّـة إحـيـاء حـالات شـعـوريـة واسـتـجـابـات مـاضـيـة مـع الـعـلـم بـأنّـهـا مـن حـيـاتـنـا الـمـاضـيـة. يـقـول “لاَلاَنْـد Laland
1867 – 1963″ فـي تـعـريـفـه لـلـذاكـرة : الـذاكـرة وظـيـفـة نـفـسـيـة تـتـمـثـل فـي اسـتـعـادة حـالـة شـعـوريّـة مـاضـيـة، مـع تـعـرف الـذات لـهـا مـن حـيـث هـي كـذلـك.

2 – تـثـبـيـت الـذّاكـرة :


إن مـا نـحـتـفـظ بـه مـن ذكـريـات يـعـود أسـاسـا إلـى شـروط مـوضـوعـيّـة وأخـرى ذاتـيـة، مـن الـشـروط الـمـوضـوعـيـة نـذكـر الـتـكـرار. إن الـتـكـرار مـوزع أفـضـل مـن الـثـبـيـت مـن الـتـكـرار الـمـسـتـمـر.
الـمـقـاطـع ذات الـمـعـنـى أفـضـل مـن الـتـي لا مـعـنـى لـهـا، الإرتـفـاع والـوزن، والـتـسـمـيـع الـذّاتـي عـوامـل تـسـاعـد عـلـى الـتـثـبـيـت أكـثـر. ومـن الـشـروط الـذاتـيـة نـذكـر : مـيـول الـشـخـص، وعـواطـفـه، والـمـدح، والـذم، ودرجـة الـذكـاء، والـخـبـرة، والـنـشـاط، والانـتـبـاه….. كـلّـهـا عـوامـل تـسـاعـد عـلـى تـثـبـيـت الـذكـريـات فـي الـذاكـرة.

3 – نـوعـا الـتّـذكـّــر :


الـتـذكـر نـوعـان :

أ – الـتذكـر الـعـفـوي :
وهـو الـتـذكـر الـذي يـتـم دون جـهـد عـقـلـي فـكـري، وهـو مـا يـلاحـظ فـي مـخـتـاف الأفـعال التـي نـقـوم بـها بـدافـع الـعـادة، مـمـا يـجـعـل هـذا الـتـدكـر أسـهـل فـي الاسـتـعـادة كـنـجـاحـك فـي الـبـكـالـوريـا مـثـلا، أو حـادثـة زواجـك . . .
وهـذا الـتـذكـر أقـرب إلـى تـداعـي الأفـكـار مـنـه إلـى الـتـذكـر، لأنـه يـحـدث دون بـذل جـهـد عـقـلـي فـكـري، وهـو يـرتـبـط بـمـجـمـوعـة من الـقـوانـيـن كـالـتـكـرار الـذي يـسـهـل تـذكـر عـمـل مّـا، وقـانـون “الـجـدة” فـالـحـوادث الـتـي تـمـر بـك تـكـون أوقـع فـي الـذاكـرة، وقـانـون “الـشّـدة” بـمـعـنـى أن الـحـوادث الـعـنـيـفـة يـكـون تـأثـيـرهـا عـلـى الـنـفـس أشـدّ، مـمـا يـجـعـلـهـا لا تـمـحـى بـسـهـولـة.
ب – الـتـذكـر الإرادي :
وهـو نـوع يـرتـبـط بـالـنـشـاط والـجـهـد الـعـقـلـي، حـيـث يـلـجـأ الإنـسـان عـن قـصـد إلـى الـمـاضـي لـيـتـذكـر خـبـرات ومـهـارات مـاضـيـة، ومـن الأمـثـلـة عـلـى ذلـك : أرى شـخـصـا يـلـوح لـي فـأنـظـر إلـيـه وأتـعـرف نـوعـا مّـا عـلـى مـلامـح وجـهـه، وأشـعـر أنّ صـوتـه مـألـوفـا لـدي، ورغـم ذلـك أعـجـز عـن تـذكـر اسـمـه، وفـي هـذه الـحـالـة أعـود إلـى ذاكـرتـي، فـتـتـسـارع الـصّـور فـي سـاحـة الـشـعـور ولـكـنـنـي أبـعـدها لأنـهـا لا تـتـطـابـق مـعـه، أعـيـد الـتـركـيـز والانـتـبـاه بـشـدّة مـحـاولا اسـتـعـادة الـزّمـان والـمـكـان الـذي صـادفـتـه فـيـهـمـا، وفـجـأة تـطـفـو الـصـورة مـن اللاّشـعـور إلـى الـشـعـور فـأتـعـرّف عـلـى الـشـخـص.
الـنـتـيـجـة :
]الـتـذكـر عـمـلـيّـة عـقـلـيّـة إراديـة تـسـتـلـزم الـشـعـور والانـتـبـاه والـتـأويـل والإنـتـقـاء والـتّـمـيـيـز والـحـكـم[.

4 – طـبـيـعـة الـتّـذكّــر :


يـثـبّـت الإنـسـان الـحـوادث فـي ذاكـرته بـعـوامـل ذاتـيـة ومـوضـوعـيـة ويـسـتـعيـدهـا وقت الـحـاجـة إلـيـهـا، بـصـورة عـفـويـة أو إراديـة، ولـكـن مـا طـبـيـعـة هـذه الاسـتـعـادة؟
هـل هـذه الاسـتـعـادة عـمـلـيّـة فـيـزيـولـوجـيـة أم شـعـوريـة؟
هـذه الإشـكـالـيّـة مـحـلّ خـلاف بـيـن الـفـلاسـفـة وعـلـماء الـنّـفـس وهـو ما نـتـعـرف عـلـيه من خلال هذه الآراء الـنـظـريـات.

أ – الـنـظـريّـة الـمـاديّـة :
يـذهـب الـمـاديـون وعـلـى رأسـهـم “ريـبـو” أحـد زعـمـاء هـذه الـنـظـريـة أن الـذكـريـات مـخـزونـة فـي خـلايـا الـمـخ، لأنّ الإدراك يـتـرك أثـرا فـي الـخـلايـا وهـذه الـذكـريـات تـسـتـرجـع عـنـدمـا تـحـدت إدراكـات جـديـدة مـمـاثـلـة لـهـا، وهـذا يـعـنـي أن الـذكـريـات هـي الـتـي تـوقـظ الـذكـريـات الـقـديـمـة أمّـا عـمـلـيـة الـتـثـبـيـت فـهـي تـتـم عـن طـريـق الـتـكـرار.
وعـلـى هـذا الأسـاس فـالـذاكـرة فـي رأي “ريـبـو” مـا هـي إلاّ نـشـاط بـيـولـوجـي، إذ يـقـول “الـذّاكـرة ظـاهـرة حـيـويّـة بـالـذات، نـفـسـيـة بـالـعـرضّ” وقـد اسـتـنـد فـي ذلـك عـلـى الـتـجـربـة الـتـي تـثـبـت أن لاخـتـلال الـهـضـم ودوران الـدّم والـتّـنـفـس تـأثـيـر عـلـى الـتـذكـر، والـتـجـارب الـتـي أجـريـت عـلـى أمـراض الـذاكـرة، فـهـي تـبـيّـن أن الـنـسـيـان يـبـدا بـالـذكـريـات الـقـريـبـة ثـم الـبـعـيـدة، ثـم الأبـعـد ومـن الـذكـريـات الـعـقـلـيـة إلـى الـذكـريـات الـحـركـيـة، ويـقـدم أدلّـة أخـرى يـحـاول مـن خـلالـهـا إثـبـات أنّ لـلـذكـريـات مـنـاطـق بـالـمـخ. إذا كـانـت الـذكـريـات نـزول مـن مـنـاطـق مـعـيـنـة بـالـدمـاغ، فـإن هـذه الـمـنـاطـق هـي الـتـي تـحـمـل هـذه الـذكـريـات، فـالـحـبـسـة الـحـركـيـة مـصـاحـبـة لـلإصـابـة الـتـي تـمـسّ مـنـطـقـة “بـروكـا” الـتـي تـمـثـل قـاعـدة الـتـلـفـيـف الـثـالـث مـن الـجـهـة الـشـمـالـيـة. وهـذا مـعـنـاه ان هـنـاك مـنـاطـق خـاصّـة بـالـذكـريـات الـحـركـيـة، وأخـرى بـالـذمـريـات الـسـمـعـيـة … وهـكـذا تـصـبـح الـذاكـرة مـجـرّذ خـاصـيّـة لـدى الأنـسـجـة تـسـجـل بـهـا الانـطـبـاعـات وتـحـتـفـظ بـهـا.
مـنـاقـشـة :
تـعـرّضـت هـذه الـنـظـريـة لانـتـقـادات “بـرغـسـون” لأنـهـا تـخـلـط بـيـن الـظـواهـر الـنـفـسـيـة والـظـواهـر الـفـيـزيـولـوجـيـة وتـعـتـبّـر الـفـكـر مـجـرد وظـيـفـة لـلـدّمـاغ مـوضـحـا أن الـمـادة عـاجـزة عـن تـفـسـيـر الـذاكـرة إذ يـقـول : ” لـوصـحّ أن تـكـون الـذكـرى شـيـئـا مـا محـحـتـفـظـة فـي الـدمـاغ، لـمـا أمـكـنـنـي أن أحـتـفـظ لـشـيء مـن الأشـيـاء بـذكـرى واحـدة بـل بـألـوف الـذكـريـات، ذلـك أن الـشـيء مـهـمـا بـدا بـسـيـطـا وثـابـتـا فـإن أعـراضـه تـتـغـيـر بـتـغـيـر الـنـظـرة إلـيـه، هـذا إذا خـلـق الأمـر بـالـشـيء الـبـسـيـط، فـمـابـلـك إذا كـان إنـسـانـا يـتـغـيّـر مـن حـيـث الـهـيـئـة والـجـسـم والـمـلابـس”.
أمـا مـن حـيـث فـقـدان الـذكـريـات فـهـو يـقـول : “إذا كـان فـقـدان الـذكـريـات يـنـتـج عـن خـلـل فـي الـخـلايـا الـذّمـاغـيـة فـكـيـف نـفـسـر عـودة بـعـض الـذكـريـات؟ خـاصّـة بـعـد حـدوث تـنـبـيـه قـوي لـلـمـريـض بـفـقـدان الـذاكـرة وهـذا يـعـنـي أن الإنـسـان إذا أصـيـب بـمـرض “الأفـازيـا” فـالـذكـريـات تـبـقـى مـوجـودة، ولـكـن الإنـسـان يـصـبـح عـاجـزا عـن اسـتـحـضـارهـا وقـت الـحـاجـة.

ب – الـنـظـريـة الـنـفـسـيـة : يـسـتـنـتـج مـن مـنـاقـشـة الـمـاديـيـن أن “بـرغـسـون” بـيّـن أن الـذاكـرة لـيـسـت ظـاهـرة بـيـولـوجـيـة، وإنـمـا هـي ظـاهـرة نـفـسـيـة روحـيـة، فـالـروح عـنـده هـي ديـمـومـة وذاكرة وحـتى يـسـتـطـيـع بـرغـسـون الـخـروج مـن هـذا الـمـأزوق مـيّـز بـيـن نـوعـيـن مـن الـذاكرة :
أ- ذاكرة هـي عـبـارة عـن صـورة حـركـات مـخـزونـة فـي الـجـسـد تـكـتـسـب بـالـتـكـرار، تـرتـبـط بـالـجـهـاز الـعـصـبـي تـنـصـب عـلـى الأفـعـال وتـقـوم بـوظـيـفـة اسـتـعـادة الـمـاضـي إلـى الـحـاضـر بـطـريـقـة آلـيـة مـيـكـانـيـكـيـة مـثـل حـفـظ قـطـعـة شـعـر عـن ظـهـر قـلـب.
ب – ذاكـرة عـبـارة عـن صـورة ذكـريـات نـفـسـيـة:مـخـضـة مـسـتـقـلـة عـن الـدمـاغ، وهـي الاكـرة الـتـي تـعـيـد الـمـاضـي بـاعـتـبـاره شـيء خـالـص.

الـنـتـيـجـة :
]الأولـى تـعـيد الـماضي إعـادة ترديـدية والـثانـيـة تـتـصـور الـمـاضـي، ثـم أن الأولـى مـركـزهـا الـجـسـم وأداتـهـا الـمـخ، والـثـانـيـة مـسـتقلة عـن الـجـسـد ولـكـنـهـا تـتـحقق بـالـفـعـل عـن طـريـقـه.
امـا الأمـراض الـتـي تـصـيـب الـذاكـرة فـهـي لا تـعـود إلـى فـكـرة الإتـلاف، وإنـمـا تـعـود إلـى اضـطـربـات تـصـيب الأجـهـزة الـمـحـركـة.
وعـلـيـه فـالـذاكـرة فـي نـظـر (بـرغـسـون) لـيـسـت مـجـرد وظـيـفـة مـن وظـائـف الـدمـاغ، وإنـمـا عـمـلـيـة نـفـسـيـة يـشـتـرك فـيـهـا الـجـسـم، فـالـنـفـس هـي الـتي تـتـعرّف، والـجـسـم يـشـتـرك فـيـها الـجسم، فـالـنـفس هـي الـتي تـتـعرّف والـجـسم هـو الذي يـسـتـدعى، وهو الـذي يـسـمى أيـضـا.

مـنـاقـشـة :
تـتـمـيـز الـنـظـريـة الـنـفـسـيـة بـانـتـقـادهـا لـلـنـظـريـة الـمـاديـة، ولـكـن “بـرغـسـون” لـم يـحـلّ مـشـكـلـة الـذاكـرة حـيـن اسـتـبـدل الاثـار الـبـيـولـوجـيـة بـالآثـار الـنـفـسـيـة، ولـم يـوضـح فـقـط أيـن تـحـفـظ الـذكـريـات لأن فـرضـيـة اللاّشـعور لـم تـوضّـح ذلـك، ولـم تـبـدد جـمـيـع الـظـلـمـات، فـهـل هـذا يـعني أن اللاّشـعور وعـاء غـيـر مـقـيّـد بـالـزّمـان والـمـكان؟ أم أن اللاّشـعور قـربـة لا تـمـتـلـئ، وقـد دلّت الـتـجـارب عـلـى أن لـلـذاكـرة أسـاسـا عـضويـة وأسـاسـا عـضويـا وأسـاسـا اجـتـمـاعـيـا.

جـ – الـنّـظـريّـة الاجـتـماعـيّـة :
يـرى عـلـمـاء الاجـتـمـاع وعـلـى رأسـهـم “هـالـنـاكـس” أن الـذكـريـات لـيـسـت شـخـصـيـة، فـهـي تـعـود إلـى جـمـاعـة مـعـيّـنة، وإلـى فـتـرة مـحـدّدة، فـالـغـيـر هـو الـذي يـدفـعـنـا إلـى الـتّـذكـر الـذي يـرتـبـط بـمـفـاهـيـم وعـادات وقـيـم الـمـجـتـمـع، وعـلـيـه لا تـكـون الـذكـريـات اسـتـعـاده لـلـمـاضـي، وإنـمـا لـتـجـديـد بـنـائـه بـوسـائـل يـسـتـمـدهـا مـن الـحـيـاة الاجـتـمـاعـيـة.
وعـلـى هـذا الأسـاس يـمـكـن الـقـول أن الـذاكـرة سـلـوك يـقـوم الإنـسـان بـتـنـفـيـذه فـي ظـروف اجـتـمـاعـيـة مـعـيّـنة، وأنـه لـوكـان الإنـسـان يـعـيـش مـنـعـزلا عـن الـجـمـاعـة لـمـا احـتـاج إلـى الـتذكـر، لأن الـجـمـاعـة هـي الـتـي تـدفـعـه لـنـقـل مـلاحـظـاتـه وخـبـراتـه لـلآخـريـن.
مـنـاقـشـة :
لـيـس هـنـاك مـا يـؤيـد أدلّـة هـذه الـنـظـريـة، عـن كـون الـفـرد حـيـن يـتـذكـر، فـإنـه لا يـتذكـر مـاضـيـه الخاص، وإنـمـا يـتـذكـر الـمـاضـي الـجـمـاعـي رغـم أن الـذاكـرة تـنـتـظـم داخـل الأطـر الاجـتـمـاعـيـة، فـقـد أتـذكـر حـوادث ذات قـيـمـة بـالـنـسـبـة لـي، لأنـهـا تـجـربـة فـريـدة دون أن يـطـلـب أحـد مـنـي تـذكـرهـا.
الـنـتـيـجـة :
لا يـمكــن إعـادة الـذاكـرة إلـى عـامـل واحـد فـقـط، لأن عـوامـل عـديـدة تـسـاهـم فـي تـركـيـبـهـا، إضـافـة إلـى تـعـدد وظـائـفـها، ومـن هذه الـعوامـل :
أ – الـعوامـل الـعضـويـة : تـتـطـلب الـذاكـرة جـهازا عـضـويـا سـلـيـما، فـالـمريـض والـمـسنّ يـصـعـب عـلـيـهـما تـثـبـيت الـذكـريـات.
ب – الـعوامـل الـفرديّـة : يـخـتـلـف الأفـراد فـي الاهـتـمـامـات والـمـيـول، وعـلـيـه فـإن الـفرد يسـهل عـلـيـه اسـتـرجـاع مـا يـمـيـل إلـيـه.
جـ – الـعـامـل الـعـقـلـي : وهـو أهـمّ الـعـوامـل، فـمـا يـؤخـذ عـن طـريـق الـفـهـم والـتـحـلـيـل يـثـبـت فـي الـذاكـرة ويـسـهـل اسـتـرجـاعـه.
د – الـعـامـل الاجـتـمـاعـي : الـفـرد يـرتّـب ذكـريـاتـه الـمـوروثـة عـن الـمـجـتـمـع، حـسب طـبـيـعة الـبـيـئـة الـتي يـنـتـمي إلـيـهـا.

5 – طـبـيـعـة الـنّـسـيـان :


أحـيـانـا نـجـد صـعـوبـة كـبـيـرة فـي اسـتـرجـاع مـهـارات وخـبـرات ومـعـارف نـحـتـاجـهـا، وقـد نـعـجـز تـمـامـا، وهـذا يـعـنـي أن الـذاكـرة أصـيـبـت بـمـرض يـسـمّـى “الـنـسـيان”
فـمـا طـبـيـعـة الـنّـسـيـان؟
يـفـسـر “ريـبـو” الـنـسـيـان تـفـسـيـرا مـاديـا، فـالـنـسـيـان فـي رأيـه مـجـرد فـقـدان الآثـار الـتـي تـحـدثـهـا وتـتـركـهـا الـذكـريـات عـلـى الـقـشـرة الـدمـاغـيـة، لـكـن الـتـجـارب الـتـي أجـربـت أكـدت أن الـنـسـيـان لـيـس لـه عـلاقـة طـرديـة بـالـزمـن، وغنّـما لـه عـلاقـة بـ “لـوغـاريـتـم” الـزمـن، وهـذا مـا يـنـاقـض مـا ذهـب غلـيـه “ريـبـو” الـذي يـؤكـد أن الـنـسـيان يـتـنـاول الـذكـريـات الـقـريـبـة قـبـل الـبـعـيـدة.
أمـا “بـرغـسـون” فـيـقـول إنـنـا لا نـفـقـد الـمـاضـي وإنـمـا نـفـقـد إمـكـانـيـة اسـتـرجـاعـه وهـذا بـسـبـب فـقـدان الـصّـلـة بـه، وقـد شـبّـه الـمـاضـي بـمـخـروط رأسـه إلـى الأسفل

لـكـن مـدرسـة الـتـحـلـيـل الـنـفسي تـرى أنّ الـنـسـيـان هـو عـجـز عـن اسـتـحـضـار الـمـاضـي، وهـذا مـايـجـعـلـنـا نـاـتـقـي مـع “بـرغـسـون” ولـكـن “فـرويـد” يـعـطـي تـفـسـيـرا آخـر إذ يـؤكـد أنّ الإنـسـان لا يـنـسـى الـحوادث الـقـاسـيـة الـمـؤلـمـة الـتـي لا يـريـد تـذكـرهـا، يـكـتـبـهـا فـي اللاّشـعـور ويـمـنـعـهـا الأنـا الأعـلـى مـن الـخـروج لأسـبـاب خـاصّـة، ولـكـنّـهـا لا تـمـحـى تـمـامـا، حـيـث تـؤثـر فـي الـسـلـوك بـطـريـقـة لا شـعـوريـة وبـأشـكـال مـتـعـددة (الأحـلام فـلـتـات الـلـسـان….)

ورغـم ذلـك يـبـقـى الإشـكـال قـائـمـا. مـا هي أسـبـاب الـنـسـيـان؟مـا طـبـيـعـتـه؟

أ – نـظـريـة الـتـرك والـضـمـور :تـرى ان عـدم اسـتـعـمـال الـذكـريـات والـخـبـرات والـمـهـارات الـسـابـقـة يـؤدّي إلـى ضـعـفـهـا وضـمـورهـا، وهـذا يـعـنـي أنـه كـلـمـا طـال عـدم اسـتـعـمـال مـا تـعـلّمـه الإنـسـان زادت درجـة الـنـسـيـان.
لـكـن هـذا الـطـرح قـد يـفـسـر بـعـض حـالات الـنـسـيـان الـنـاتـجـة عـن بـعـض الأمـراض ولـكـنّـهـا لا تـفـسّـر جـمـيـع الـحـالات، لأن الـنـسـيـان فـي نـظـرهـا أسـاسـه عـضـوي.
ب – نـظـريـة الـدوافـع :تـربـط ظـاهـرة الـنـسـيـان بـعـدم الـقـدرة عـلـى تـذكـر الآلام والـمـواقـف الـمـؤلـمـة، فـالـنـسـيـان نـزعـة طـبــيـعـيـة فـي الـفـرد، ومـن الـعـوامـل الأسـاسـيـة فـي تـثـبـيـت الـذكـريـات ونـسـيـانـهـا: الـثـواب … الـعـقـاب ….إلـخ.
جـ – نـظـريـة الـتـداخـل والـتـعـطـيـل : تـرى أن الـنـسيـان يـعـود إلـى تـداخـل مـخـتـلـف الـنـشـاطات الـتـي يـقـوم بـهـا الإنـسـان، وهـذا مـا يـؤدي إلـى ضـم حـلال وطـمـس بـعـضـهـا، فـالإنـسـان الـذي يـنـتـهـي مـن حـفـظ شـيء مّـا ويـشـرع مـبـاشـرة فـي حـفـظ شـيء آخـر (أرقـام، نـص مـسـرحـي،…) يـنـسـى مـا حـفـظـه أكـثـر مـمـا لـو اسـتـراح فـتـرة زمـنـيـة مـعـيـنـة
الـنـتـيـجـة :

لا يـمـكـن إرجـاع الـنـسـيـان إلـى عـامـل واحـد فـقـط، وإنـمـا يـعـود إلـى عـوامـل مـتـعـددّدة تـسـاهـم فـي حـدوث ظـاهـر لـلـنـسـيـان، ومـا يـجـب ألاّ نـغـفـلـه هـنـا هـو أنّ الـنـسـيـان لـيـس مـرضـا، ولا ظـاهـرة سـلـبـيـة، وإنـمـا ضـرب مـن الاسـتـجـابـة كـالـوعـي، فـالـنـسـيـان عـمـلـيّـة ديـنـامـيـكـيـة تـتـأثـر بـالـعـوامـل الـنـفـسـيـة.
6 – أسـئـلــة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :


1 – كـيـف يـتـمّ تـحـصـيـل الـذكـريـات واسـتـرجـاعـهـا؟

2 – مـالـفـرق بـيـن الإسـتـرجـاع والـتـعـرف؟

7 – أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :


1 – عـمـلـيـة الـتـحـصـيـل :
تـتـوقـف عـلـى شـروط الـتّـثـبـيـت فـي حـيـن ان الاسـتـرجـاع يـتـوقـف عـلـى الـتـعـرف عـلـى هـذه الـذكـريـات، إضـافـة إلـى الـشـعـور بـديـمـومـة الـزمـن وسـيـرورتـه، الـذي يـسـاعـد الإنـسـان فـي عـمـلـيـة الـتـذكـر، حـتـى يـتـمـكـن مـن خـلال ذلـك مـواجـهـة الـحـاضـر والاتـجـاه نـحـو الـمـسـتـقـبـل، والـتـذكـر يـتـمّ عـبـر مـراحـل يـمـكـن اخـتـصـارهـا فيما يلي :
أ – الـتـحـصـيـل :ويـتـضـمـن ثـلاث شـروط هـي :
– شـروط تـتـعـلـق بـالـخـبـرة ذاتـهـا.
– شـروط فـيـزيـولـوجـيـة مـاديـة.
– شـروط سـيكـولوجـية، ومـنـها الـعـواطـف الـمـيـول – الاهتمامات.
ب – مـرحـلـة الاسـتـرجـاع : وهـي تـوجـيـه الانـتـبـاه غلـى الـمـاضـي بـحـثـا عـمـا يـريـد مـن ذكـريـات، وهـو نـوعـان اسـتـرجـاع تـلـقـائـي، واسـتـرجـاع إرادي.
جـ – الـتـعـرف عـلـى الـذكـريـات :فـاسـتـرجـاع الـذكـرى لا يـتـم إلا بـالـتـعـرّف عـلـيـهـا، وتـحـديـد زمـانـهـا ومـكـانـهـا.

الـنـتـيـجـة :
لـلـتّـذكـر عـوامـل ذاتـيـة وأخـرى مـوضـوعـيـة وهـو فـعـل ونـشـاط يـهـدف إلـى الـتـكـيّـف مـع الـواقـع.

2 – الإنـسـان يـسـتـرجـع الـحـوادث الـتـي يـرغـب فـيـهـا، والـتـي احـتـفـظ بـهـا مـن قـبـل، فـهـل يـعـنـي ذلـك أن هـنـاك فـرق بـيـن الاسـتـرجـاعوالـتـعـرف؟
– تـحـديـد مـفـهـوم الاسـترجاع : وهـو قـيـام الـفـرد بـاسـتـرجـاع الـمـعـلـومـات والـصّـور والأفـكـار الـتـي لـهـا عـلاقـة بـمـا يـريـد (الـطـالب فـي الامـتـحـان مـثـلا). وهـذا يـعـنـي أن الاسـتـرجـاع لا يـتـم إلاّ بـعـد التـحـصـيـل والاكـتـسـاب والاسترجاع أشـبه بـالعلاة لأنـه آلـي وفـقـا لـقـانـون تـسـلـسـل الـحـوادث وتـكـرارهـا.
– أمـا الـتـعـرف فـالـفلاسـفـة يـعـتـقـدون أنـه ظـاهرة نـفـسـيـة، وهـو يـعـني إدراك الـصّور والأفـكـار كـمـا انـطبعت أوّل مـرة، وحـتّـى يـكـون الـتّـعرف كـاملا لا بـدّ مـن تـحديـد الـزمـان والـمـكـان بـوضـوح.

الـنـتـيـجـة :

الاسـتـرجـاع يـمـثّـل عـلاقـة التـذكـر بـالـعـادة والـتّـعرف يـمـثل عـلاقـة الـتذكـر بـالإ دراك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock