دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

مـناهـج الـبحـث عـند مفـكّـري الإسلام في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

مـناهـج الـبحـث عـند مفـكّـري الإسلام في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس

تـمـهـيـد
1 – مـنـاهج البحث عنـد الـمحدثين ( البخاري، مـسـلـم ).
2 – مناهج البحـث عند علماء الأصول ( الـشافـعـي، الشاطبي ).
3 – مناهج البحث عند المؤرَّخـيـن (ابـن خلدون، الـطـّبـري ).
4 – منـاهـج البحث عند التجريبيـن (ابـن الهيثم، جابر بن حيان).
5 – الطابع العام لهذه المناهج (العقلانية الإسلامية و تجاوزالمنهج الأرسطي)
6 – أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
7 – أجـوبـة الـتّـّصـحـيـح الـذّّاتـي.
تـمـهـيـد :

إنّ الـمـؤرخ الـمـنـصـف لـتـاريـخ الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي لـَيـجـِد مـسـاهـمـة مـعـتـبـرة فـي بـنـائـه عـنـد مـفـكـّري الإسـلام و يـمـيـل بـعـض الـبـاحـثـيـن إلـى الـتـّقـلـيـل مـن دور الـعـرب فـي ذلـك ظـنـّاً مـنـهـم أنّ الـعـربَ الـمـسـلـمـيـن لـم يـكـونـوا سـوى نـقـلـة ومـتـرجـمـيـن، أو فـي أحـسـن الأحـوال شـارحـيـن لـلـفـلـسـفـة الـيـونـانـيـة، فـالـبـارون (كـارّا دوفـو Carra de vaux ) يـقـول فـي كـتـابـه ” تـراث الإسـلام ” : ” لا يـنـبـغـي أن نـتـوقـع وجـود تـلـك الـعـبـقـريـّة الـخـارقـة لـدى الـعـرب و لا تـلـك الـمـوهـبـة الـمـتـمـثـلـة فـي الـمـَخـيـلـة الـعـلـمـيـّة، و ذلـك الـحـمـاس و الابـتـكـار فـي الـفـكـر، كـانـوا تـلامـيـذ الإغـريـق و مـا عـلـومـهـم إِلاّ اسـتـمـرار لـعـلـوم الـيـونـان ” و قـد ذهـب ( ريـنـان ) إلـى أبـعـد مـن ذـلـك مـعـتـبـراً أنّ الـفـلـسـفـة الإسـلامـيـة مـا هـي إلاّ فـلـسـفـة يـونـانـيـة مـكـتـوبـة بـأحـرف عـربـيـة. الـمـنـصـفـون مـن الـفـلاسـفـة، و مـؤرخـي الـعـلـوم يـرون أنّ الـمـسـلـمـيـن أعـطـوا الـمـفـاتـيـح الـفـكـريـّة لـعـصـر الـنـّهـضـة وأصـبـحـوا الأسـاتـذة الـذيـن ثـقـّفـوا الـعالـم الـحـديـث بـنـتـائـج الـعـالـم الـقـديـم فـأفـادوا الـغـرب فـي جـمـيـع الـمـيـاديـن و مـنـحـوه الأرضـيـة الـتـي انـطـلـق مـنـهـا لـبـنـاء حـضـارتـه و فـي هـذا الـصـّدد قـال (سـارتـون ) مـؤرخ الـعـلـوم : ” و لـيـس ثـمـّة عـلـى مـذهـب مـن الـمـذاهـب ابـتـكـار أعـظـم مـن ذلـك الـتـعـطـّش الـذي مـلـك قـادة الـفـكـر الـعـربـي جـوانـبـهـم فـي سـبـيـل الـمـعـرفـة “. و سـوف نـتـعـرض فـي هـذا الـمـحـور إلـى مـنـاهـج الـبـحـث عـنـد بـعـض مـفـكـري الإسـلام.


1 – مـنـاهـج الـبـحـث عـنـد الـمـحـدثـيـن :


دوّن الـقـرآن الـكـريـم عـلـى عـهـد الـرسـول صـلـى الـلـّه عـلـيـه و سـلـم حـيـث اتـخـذ كـتـبـة يـكـتـبـون الآيـات عـنـد نـزولـهـا، أمـا الـحـديـث فـلـم يـكـن تـدويـنـه شـائـعـا
فـي الـعـهـد الأول، حـيـث بـقـي يـروى شـفـهـيـا مـن الـذاكـرة، لأن الـنـبـي نـهـى عـن تـدويـنـه آنـذاك و يـعـلـل الـعـلـمـاء هـذا الـنـّهـي بـخـشـيـة اِلـتـِبـاس الـقـرآن بـالـحـديـث.
كـانـت الـسـنـة هـي الـمـرجـع الأول لـلـمـسـلـمـيـن بـعـد الـقـرآن، خـاصـة انـتـشـار الإسـلام و تـولـدت وقـائـع جـديـدة، و تـعـددت الـمـشـكـلات و لـم يـكـن فـي الـكـتـلب الـمـنـزّل حـّلٌ واضـح لـجـمـيـعـهـا. و أول مـا لـجـأ إلـيـه الـمـسـلـمـون الـسـّنـّة و هـي مـجـمـوعـة أقـوال الـرسـول ( ص) و أعـمـالـه و سـلـوكـه و أحـكـامـه، كـأنّ الـعـَود إلـى الـسـنـّة مـن اخـتـصـاص الـصـحـابـة الـذيـن عـاصـروا الـنـبـّي و عـايـشـوه، و نـشـأ إلـى جـانـبـهـا عـلـمـا الـحـديـث و الـفـقـه.
و نـظـرا لـعـدم تـدويـن الـحـديـث، فـقـد أدت الـخـلافـات الـسـيـاسـيـة بـيـن الـمـسـلـمـيـن إلـى وضـع الألـوف مـن الأحـاديـث الـمـنحـولـة و كـان مـن أهـم مـا شـغـل عـلـمـاء الـحـديـث الـتـفـريـق بـيـن الأحـاديـث الـصـحـيـحـة والأحـاديـث الـمـنـحـولـة، و قـد جـمـعـت الأحـاديـث فـي أول الأمـر بـالـنّـسـبـة مـن أُسـنـدت لـهـم و سـمـيـت بـ “الـمـُسـنـَدات ” ثـم جـُمعـت بـعـد ذلـك وفـقـا لـمـوضـوعـاتـهـا و عـرفـت بـ ” الـمـصـنـّفات “.
بـدأ تـدويـن الـحـديـث تـدويـنـا. فـي عـهـد عـمـر بـن عـبـد الـعـزيـز عـلـى يـد ” ابـن شـهـاب ” الـذي كـتـب رسـالـة فـي الـحـديـث كـانـت أول رسـالـة دُوّنـت لـلـنّـاس، و قـد بـدأ الـتـدويـن واضـحـا فـي الـعـصـر الـعـبـاسـي، إلاّ أنّ أحـسـن هـذه الـفـتـرات و أدقـهـا هـي الـحـركـة الـتـي نـشـطـت فـي الـقـرن الـثـالـث الـهـجـري، حـيـث اهـتـم أصـحـابـهـا بـتـمـيـيـز الـصـحـيـح مـن الـضـعـيـف و الـتـّدقـيـق فـي الـرّواة وتـألـيـف أهـم الـكـتـب كـ ” الـجـامـع الـصـّحـيـح ” لـلـبـخـاري و”صـحـيـح مـسـلـم ” و ” سـنـن ابـن مـاجـة ” و ” سـنـن أبـي داود” و ” جـامـع الـتـرمـِذي ” و ” سـنـن الـنـَّسـائـي ” و هـذه الـكـتـب هـي الـتـي اشـتـهـرت بـالـكـتـب الـسـتـّة، و أصـحُّ كـتـب الـحـديـث، و سـوف نـتـعـرض إلـى مـنـهـج الـبـخـاري و مـنـهـج الإمـام مـسـلـم.

أ – مـنـهـج الـبـحـث عـنـد الـبـخـاري :
الـبـخـاري هـو مـحـمـد بـن اسـمـاعـيـل بن إبـراهـيـم بـن الـمـُغـيـرة بـن بـردزيـة، أسـلـم أحـد أجـداده، و هـو الـمـُغـيـرة عـلـي بـن الـْيـَمـُان الـجـعـفـي والـي بـُخـَارى ولـد الـبـخـاري حـوالـي سـنـة 194 هـ و تـوفـى سـنـة 256 هـ، كـانـت الـكـتـب الـتـي جـمـعـت
الـحـديـث تـهـتـم بـجـمـع مـا تـوصـل إلـيـهـا تـاركـة الـتـدقـيـق فـي الـرواة و مـقـدار الـثـقـة فـيـهـم، لـكـن الـبـخـاري لـم يـقـتـصـر عـلـى سـمـاع الـحـديـث، بـل اتـصـل بـالـمـحـدّثـيـن حـيـث رحـل إلـى نـيـسـابـور، و الـرّي، و بـغـداد، والـبـصـرة، والـكـوفـة، ومـكـة، والـمـديـنـة، ودمـشـق، وقـيـسـاريـة، وعـسـقلان، و حـمـص، و مـصـر. واسـتـغـرقـت رحـلـتـه هـذه (16) عـامـا لـقـي إبـّانـهـا صـعـوبـات ومـشـاق فـي سـبـيـل تـحـقـيـق هـذا الـعـمـل الـجـلـيـل. اسـتـنـد الـبـخـاري إلـى مـعـرفـة شـخـصـيـة الـروّاة و تـاريـخـهـم و الـوقـوف عـلـى أحـوالـهـم وسـلـوكـهـم الـديـنـي و الـمـذهـب الـذي اعـتـنـقـوه من بـيـن الـمـذاهـب الـتـي وجـدت كـالـمـذهـب الـمـعـتـزلـي، والـشـيـعـي والـخـوارزمي، والـمـرجـيء و غـيـرهـا كـمـا نـظـر فـي الأحـاديـث الـتـي رويـت فـي الأمـصـار الـمـخـتـلـفـة عـلـى مـا فـيـهـا مـن فـروق و مـوافـقـات، ومـثـل هـذا الـعـمـل يـحـتـاج إلـى هـمـّة و مـهـارة. جـمـع الـبـخـاري الأحـادـيـث فـي كـتـاب سـمـاه ” الـجـامـع الـصـّحـيـح الـمـسـنـد مـن حـديـث الـرسـول صـلـى الله عـلـيـه و سـلـّم ” و يـكـون كـلّ راوٍ مـن الـرواة عـَدلاً ضـابـطـا. وقد اشـتـرط الـبـخـاري فـي جـمـعـه لـلأحـاديـث شـروطـاً عـرفـت بـاسـمـه :
– أن يـكـون إسـسـنـاد الـحـديـث مـتـّصـلاً.
– أن يـكـون كـل راوٍ مـن رواتـه عـدلا صـادقـا ضابطـاً مـتـحفـّظـا ، سلـيـم
الـذّهـن، سـلـيـم الاعـتـقـاد، تـجـتـمـع فـيـه الـصـّفـات الـتـي يـجـب أن تـتـوفـر فـي الـمـؤمـن الـصـادق.

ب – مـنهـج الـبـحـث عـنـد الإمـام مـسـلـم :
هـوأبـو الـحـسـن مـسـلـم بـن الـحـجـاج الـقـشـيـري الـنـيـسـابـوري، ولـد مـا بـيـن 202 هـ و ـ 206 هـ، و رحـل فـي طـلـب الـحـديـث إلـى الـحـجـاز والـعـراق و الـشـام ومـصـر، و قـدم مـرارا إلـى بـغـداد، و قـد أخـذ عـن الـبـخـاري فـي نـيـسـابـور، و تـوفـي سـنـة 261 هـ .
أهـم الـكـتـب الـتـي ألـّفـهـا ( مـسـلـم ) هـي صـحـيـحـه الـذي جـمـعـه مـن (300) ثـلاثـمـئـة ألـف حـديـث، و بـعـد هـذا الـصـّحـيـح الـثـانـي بـعـد صـحـيـح الـبـخـاري فـي الـصـحـة والـدقـة و الـجـودة و الـدرجـة، و قـد تـحـدث مـسـلـم بـالـتـفـصـيـل عـن أصـول
الـحـديـث فـي مـقـدمـتـه، و قـسـّم الأحـاديـث ثـلاثـة أقـسـام :
مـا رواه الـحـفـاّظ الـمـتـقـنـون، و المـتـوسـّطـون، ثـم الـضـعـفـاء والـمتـروكـون، و يـعـرض فـي كتـابـه الـقـسـم الأول والـثاني تـاركـاً الـثـالـث.
وقد روى مـسـلـم أحـاديـث الـبـخـاري مـن طـرق أخـرى غـيـّر أسـانـيـده ورتـّبهـا عـلـى الـفـقـه كـمـا فـعـل الـبـخـاري إلاّ أنـه يـخـتـلـف عـنـه فـيـما يـلـي :
– جـمـع مـسـلـم الأحـاديـث الـمـرويـّة بـأكـثـر مـن إسـنـاد فـي بـاب واحـد.
– ذكـر الـبـخـاري فـي كـتـابـه ” الـجـامـع الـصـّحـيـح ” الأبـواب و لـم يـذكـرهـا مـسـلـم، وتـرك لـلـقـارىء الـحـريـة فـي تـرتـيـبـهـا و يـعـدّ صـحـيـحـا الـبـخـاري و مـسـلـم أعـلـى كـتـب الـسـنـّة مـكـانـة و صـحـة و وثـوقـا بـإجـمـاع الـمـسـلـمـيـن.


2 – مناهج البحث عند علماء الأصول ( الـشافعـي، الشّـاطـبي ) :


يـنـسـب ( الـمـذهـب الـشـافـعـي ) إلـى مـحـمـد بـن إدريـس الـشـافـعـي الـمـولـود بـغـزة فـي سـنـة 150 هـ و الـمـتـوفـي بـمـصـر سـنـة 204 هـ درس فـي مـكـّة، ثـم رحـل إلـى الـمـديـنـة حـيـث الـتـقـى بـالإمـام مـالـكٍ، وأخـذ عـنـه الـعـلـم، و بـعـدهـا انـتـقـل إلـى بـغـداد، و كـان عـلـى صـلـة وثـيـقـة بـالإمـام مـحـمـد بـن الـحـسـن الـشـيـبـانـي تـلـمـيـذ أبـي حـنـيـفـة، فـأخـذ عـنـه الـكـثـيـر مـن عـلـمـه و فـقـهـه، و بـهـذا جـمـع الـشـافـعـي بـيـن مـنـهـَجـي أسـتـاذه الأول مـالـك بـن أنـس زعـيـم مـدرسـة الـحـديـث و أسـتـاذه مـحـمـد بـن الـحـسـن تـلـمـيـذ أبـي حـنـيـفـة زعـيـم مـدرسـة الـرأي. وضـع الـشـافـعـي مـنـهـجـاً جـديـدا يـعـتـمـد فـيـه عـلـى وضـع الـقـواعـد الأسـاسـيـة، و الأصـول الـكـلـيـة سـواء بـالـنـسـبـة لـمـصـادر الـتـشـريـع، أو بـالـنـسـبـة لـوضـعـيـة عـلـم الأصـول فـي الـفـقـه، حـيـث تـرك لـنـا كـتـابـه ” الأم ” و ” الـرسـالـة “.
و قـد حـاول أن يـجـمـع أصـول الاسـتـنـبـاط الـفـقـهـي و قـواعـده عـلـمـاً مـمـتـازاً، و أن يـجـعـل الـفـقـه تـطـبـيـقـا لـقـواعـد هـذا الـعـلـم، وبـهـذا يـمـتـاز الـشـافـعـي عـن مـذاهـب الـعـراق و أهـل الـحـجـاز.
لـقـد وجّـه الـشـافـعـي الـدّراسـات الـفـقـهـيـة إلـى نـاحـيـة عـلـمـيـّة، كـمـا وضـع مـصـنـّفـا فـي الـعـلـوم الـديـنـيـة الإسـلامـيـة عـلـى مـنـهـج عـلـمـي بـتـصـنـيـفـه فـي أصـول الـفـقـه حـيـث قـال الـرازي :
و اعـلـم أن نـسـبـة الـشـافـعـي إلـى عـلـم الأصـول كـنـسـبـة أرسـطـو طـالـيـس إلـى عـلـم الـمـنـطـق، و كـنـسـبـة الـخـلـيـل بـن أحـمـد إلـى عـلـم الـعـروض فـاسـتـنـبـط الـشـافـعـي عـلـم أصـول الـفـقـه، ووضـع لـلـخـلـق قـانـونـا كـلـيـا يـرجـع إلـيـه فـي مـعـرفـة مـراتـب أدلـة الـشـرع ” و قـال الـجـويـنـي : “ فـإنـه أول مـن ابـتـدع تـرتـيـب الأصـول، ومـهـّد الأدلـة و رتـبـهـا و بـيـّنـهـا و صـنـّف فـيـهـا رسـالـة “ و يـقـول الـبـاحـث الـفـرنـسـي جـولـدزيـهـر فـي دائـرة الـمـعـارف الإسـلامـيـة : “ وأظـهـر مـزايـا مـحـمـد بـن إدريـس الـشـافـعـي، أنـه وضـع نـظـام الاسـتـنـبـاط الـشـرعـي فـي أصـول الـفـقـه، و حـدّد مـجـال كـل أصـل مـن هـذه الأصـول، و قـد ابـتـدع فـي رسـالـتـه نـظـامـا لـلـقـيـاس الـعـقـلـي الـذي يـنـبـغـي الـرجـوع إلـيـه فـي الـتـشـريـع مـن غـيـر إخـلال بـمـا لـلـكـتـاب و الـسـّنـة مـن الـشـأن الـمـقـدم، رتـب الاسـتـنـبـاط مـن هـذه الأصـول و وضـع الـقـواعـد لاسـتـعـمـالهـا بـعـدمـا كـان جـزافـا “.
هـكـذا وضـع الـشـافـعـي أسـس عـلـم أصـول الـفـقـه و طـورهـا بـعـده عـلـمـاء بـارزون مـن بـيـنـهـم ” أبـو اسـحـاق إبـراهـيـم إبـن مـوسـى الـغـرنـاطـي الـمـشـهـور بـ ” الـشـاطـبـي ” صـاحـب كـتـاب ” الـمـوافـقـات و الاعـتـصـام ” الـذي يـرى أن الـشـريـعـة لابـد أن تـسـتـنـد إلـى أدلـة قـطعـيــة لا أدلـة ظـنـيـة و الأدلـة الـقـطعـيـة تـسـتـوجـب الاسـتـقـراء، دَلـيـل ذلـك الاسـتـقـراء الـشـريـعـة و الـنـّظـر فـي أدلـتـهـا الـكـلـيـة والـجـزئـيـة و مـا انـطـوت عـلـيـه مـن الأمـور الـعـامـة عـلـى حـد الاسـتـقـراء الـمـعـنـوي الـذي لا يـثـبـت بـدلـيـل خـاص، بـل بـأدلـّة مـضـاف بـعـضـهـا لـبـعـض، مـخـتـلـفـة الأعـراض، بـحـيـث يـنـطـم مـن مـجـمـوعـهـا أمـر واحـد تـجـتـمـع عـلـيـه تـلـك الأدلـّة “.


3 – مناهج الـبحث عند الـمورّخين (الطـّبري، ابـن خـلدون ) :


اطـّلـع الـمـسـلـمـون عـلى تـواريـخ الأمـم الأخـرى، و أرادوا أن يـنـهـَجـوا عـلـى مـنـوالـهـا، فـأخـذوا يـؤرَّخـون لـلـبـشـريـة مـن بـدْء الـخـلـيـقـة ويـؤرخـون لـلأمـم الأخـرى و أوّل الـمـؤرخـيـن الـذيـن نـحـُو هـذا الـنـّحـو فـي كـتـابـه ” الـتـّاريـخ ” (أحـمـد الـيـعـقـوبـي)
وجـاء ابـن جـريـر الـطّـبـري فـألـّف كـتـابـه ” أخـبـار الـرّسـل و الـمـلـوك ” الـذي اشـتـهـر بـتـاريـخ الـطـبـري. جـمـع مـادة تـاريـخـيـة مـن الأحـاديـث وأقـوال مـن قـبـلـه مـن الـمـؤرخـيـن، مـع الـتـحـّري الـشـديـد، و كـان واسـع الـمـطـالـعـة عـلـى أخـبـار الأمـم الأخـرى، يـروي عـن الـحـادثـة الـواحـدة آراء كـثـيـرة، ثـم يـرّجـح بـعـض الآراء علـى الأخـرى و يـتـرك حـريـة الـتـّرجـيـح لـلـقـاريء فـي مـعـظـم الأحـيـان، و قـد دوّن تـاريـخـه بـطـريـق الإسـنـاد والـرّوايـة كـمـا يـفـعـل الـمـحـدثـون.يـقـول جـورجـي زيـدان فـي تـاريـخ آداب الـلـغـة الـعـربـيـة :
و هـو عـمـدة الـمـؤرّخـيـن و مـرجـعـهـم فـي الـتـحـقـيـق حـتـى الآن “.
و قـد تـُرجـم كـتـابـه إلـى بـعـض الـلـغـات كـالـفـرنـسـيـة و الـفـارسـيـة والـتـركـيـة والـلاّتـيـنـيـة، و يـعـتـبـر كـتـاب الـطـّبـري مـرجـعـاً لـلـبـاحـثـيـن حـتـى يـومـنـا هـذا.
أمـا عـبـد الـرحـمـان بـن خـلـدون فـلـم يـكـتـفِ بـالـتـاريـخ فـحـسـب بـل أنـه وضـع أسـس الـتـاريـخ، فـفـي ” الـمـقـدّمـة “ يـتـحـدث عـن فـضـل عـلـم الـتـاريـخ و يـمـدّنـا بـنـمـاذج مـن أخـطـاء الـمـؤرخـيـن مـثـل الـمـسـعـودي، و يـعـتـبـر مـقـدمـة ابـن خـلـدون مـن الـمـؤلـفـات الـتـي عـرفـت فـي أوروبـا مـنـذ الـقـرن الـتـاسـع عـشـر بـاسـم ” فـلـسـفـة الـتـاريـخ “. لـقـد وضـع نـظـريـات فـي الـتاريـخ حـيـث بـحـث فـي الـوقـائـع الـتاريـخـيـة و ردهـا إلـى أسـبـابـهـا واسـتـنّ مـنـهـا الـقـوانـيـن الـعـامـة.
يـرى الـبـاحـثـون الـمـنـصـفـون الـغـربـيـون أن ابـن خـلـدون كـان فـي مـقـدمـتـه مـن أبـرز وأقـدم الـكـتـاب عـلـى الـوضـوح و تـرتـيـب الأفـكـار، يـمـكـن اعـتـبـاره مـفـكـراً مـعـاصـراً، قـال ( تـويـنـبـي ) الـمـؤرّخ الأنـجـلـيـزي الـمـعـاصـر : ” إن ابـن خـلـدون فـي الـمـقـدمـة قـد أدرك وأنـشـأ فـلـسـفـة الـتـاريـخ و هـو بـلا شـك أعـظـم عـمـل مـن نـوعـه خـلـّفـَه أي عـقـل فـي أي زمـان أو مـكـان “. و يـمـكـنـنـا أن نـلـخـّص أهـم خطـوات الـبحـث في الـتـاريـخ عـنـد ابـن خـلـدون فـي الـمـراحـل الـتـالـيـة :

أ – لا بـدّ مـن اعـتـمـاد الـمـلاحـظـة الـمـبـاشـرة و الـتـجـربـة لـلاقـتـراب مـن الـيـقـيـن.

ب – لا بـدّ مـن تـفـسـيـر الـظـواهـر و تـحـلـيـلـهـا و اسـتـخـدام مـنـطـق الـتـعـلـيـل، حـيـث يـقـول : “ إنـنـا نـشـاهـد هـذا الـعـالـم بـمـا فـيـه مـن الـمـخـلـوقـات كـلـّهـا عـلـى هـيـئـة مـن الـتـركـيـب و الأحـكـام و ربـط الأسـالـيـب بـالـمـسـبـبـات “.

جـ – اعـتـمـاد مـنـهـج الـمـقـارنـة لأنـه : ” إذا لـم يـفـسـّر الـغـائـب مـن الأخـبـار بـالـمـشـاهـد، و الـحـاضـر بـالـمـذّاهـب فـربـمـا لا يـؤمـن فـيـه مـن الـعـثـور “.

د – يـجـب أن تـقـاس الأخـبـار عـلـى أصـول الـعـدة و طـبـائـع الـعـمـران، ويـجـب ألاّ نـأخـذ الأخـبـار كـمـا تـلـقـى عـلـيـنـا، بـل يـجـب أن نـبـيـّن هـل هـي مـمـكـنـة فـي ذاتـهـا أم مـسـتـحـيـلـة.


4 – مـنـاهـج الـبـحـث عـنـد الـتـّجـربـيـّيـن


( الـحـسـن ابـن الـهـيـثـم، جـابـر ابـن حـيـان ) :
نـالـت الـمـؤلـفـات الـعـلـمـيـّة الـيـونـانـيـة حـظـوة فـي تـرجـمـات الـعـرب وبـالـخـصـوص الـطـب و بـالـخـصـوص الـطـب و الـفـلـك والـرّيـاضـيـات، نـظـرا لـحـاجـة الـمـسـلـمـيـن إلـيـهـا.
– اطـّلـع أبـو عـلـي الـحـسـن بـن الـهـيـثـم الـمـولـود بـالـبـصـرة عـام 354 هـ – 965 م والـمـتـوفـّي سـنـة 430 هـ – 1039 م، عـلـى كـل مـؤلـفـات الإغـريـق و الـعـرب فـي الـرّيـاضـيـات و الـطـبـيـعـة مـمـّن سـبـقـوه، ثـم واصـل يـحـلّ مـسـائـل لـم يـتـعـرّضـوا لـهـا، تـاركـا لـّنـا أكـثـر مـن خـمـسـيـن مـؤلـفـاً أشـهـرهـا كـتـاب ” الـمـنـاظـر “ الـذي تـرجـم إلـى الاّتـيـنـيـة، حـيـث عـارض فـيـه نـظـريـة اِقـلـيـدس و بـطـلـيـمـوس، الـقـائـلـة بـأن الأشـعـة الـبـصـريـة تـنـتـقـل مـن الـعـيـن إلـى الـمـبـصـرات، و قـد بـيـّن أن الـضـوء يـنـتـقـل مـن الـمـبـصـرات إلـى الـعـيـن، و قـد أجـرى ابـن الـهـيـثـم تـجـارب عـديـدة و اشـتـغـل عـلـى الـمـرايـا الـكـرويـة والـقـطـعـيـة الـمـكـافـئـة، و تـمـكـّن بـعـد دراسـتـه لانـكـسـار الـضـوء عـنـد تـخـلـّلـه لـجـسـم شـفـاف أن يـقـيـس ارتـفـاع الـغـلاف الـجـوي لـلأرض.
اعـتـمـد ابـن الـهـيـثـم الـمـنـهـج الـعـلـمـي فـي أبـحـاثـه و طـبـّقـه عـلـمـيـا فـي مـؤلـفـاتـه ومـخـبـره، كـان يـعـتـمـد فـي الاتـسـقـراء عـلـى الـواقـع، و الـواقـع فـي نـظـره لا يـمـكـن إدراكـه دون الاسـتـعـانـة بـالأجـهـزة والآلات، لـذا كـان مـعـتـنـيـّاً بـهـا، فـبـيـّن صـنـعـهـا وتـركـيـبـهـا واسـتـعـمـالـهـا، و قـد أجـمـل ابـن الـهـيـثـم طـريـقـة الـبـحـث الـعـلـمـي فـي مـقـدمـة كـتـابـه ” الـمـنـاظـر “.حـيـث قـال : “ونـبـتـدىء فـي الـبـحـث بـاسـتـقـراء الـمـوجـودات، و نـضـع أحـوال الـمـبـصـرات و تـمـيـز خـواص الـجـزئـيـات، و نـلـتـقـط بـاسـتـقـراء مـا يـخـص الـبـصـر فـي حـال الإبـصـار، و مـا هـو مـطـّرد لا يـتـغـيـّر، نـتـرقـى فـي الـبـحـث والـمـقـايـيـس عـلـى الـتـدريـج و الـتـرتـيـب انـتـقـاد الـمـقـدمـات والـتـحـفـظ فـي الـنـتـائـج، و نـجـعـل غـرضـنـا فـي جـمـيـع مـا نـسـتـقـريـه و نـتـصـفـّحـه، اسـتـعـمـال الـعـدل لا اتـبـاع الـهـوى، ونـتـحـّرى فـي سـائـر مـا نـمـيـّزه و نـنـتـقـده طـلـب الـحـقّ، لا الـمـيـل مـع الآراء “.
أمّـا جـابـر بـن حـيـان الـمـتـوفـى عـام 198 هـ – 813 م. نـجـده فـي طـلـيـعـة الـكـيـمـيـائـيـيـن الـعـلـمـيـيـن، تـرك كـتـبـا عـديـدة تـحـوي الـكـثـيـر مـن عـلـوم الـقـدمـاء، وتـحـوي كـذلـك عـرضـا كـامـلا لـلـكـمـيـاء، بـاعـتـبـارهـا عـلـمـاً تـجـريـبـيـا، وتـشـرح هـذه الـكـتـب طـرق إعـداد الـكـثـيـر مـن الـمـواد، و كـذلـك طـرق تـنـقـيـتـِهـا مـن الـشـوائـب و قـد دخـلـت الـلـّغـات الأروبـيـة مـن كـتـابـات ابـن حـيـان كـاـمـات عـديـدة تـطـلـق عـلـى الـمـواد و عـلـى الأوانـي الـكـيـمـيـائـيـة.
يـطـلـق جـابـر بـن حـيـان اسـم ” الـتـّدريـب “ عـلـى مـا يـسـمـيـه الـعـلـمـاء الـيـوم ” الـتـجـريـب ” و هـو يـجـعـل إجـراء الـتـجـريـب شـرطـا أسـاسـيـا لـلـعـالـم الـحـق.والـمـشـتـغـل بـالـكـيـمـيـاء فـي نـظـره يـجـب أن يـجـري الـتـجربـة لأن الـمـعـرفـة لا تـحـصـل إلاّ بـهـا. وكـان يـطـلـب مـن الـذيـن يـعـنـون بـالـعـلـوم الـطـبـيـعـيـة ألا يـحـاولـوا عـمـل شـيـء مـسـتـحـيـل أو عـديـم الـنـّفـع، و عـلـيـهـم أن يـعـرفـوا الـسـبـب فـي إجـراء كـل عـمـلـيـة، وأن يـفـهـمـوا الـتـعـلـيـمـات جـيّـدا، و ( جـابـر ) يـؤمـن بـالـمـلاحـظـة الـتـي تـؤيـدهـا الـتـجـربـة، و قـد وضـع مـنـهـجـه لـقـولـه : ” يـجـب أن تـعـلـم أن نـذكـر فـي هـذه الـكـتـب مـا رأيـنـاه فـقـط دون مـا سـمـعـنـاه أو قـيـل لـنـا أو قـرأنـاه، بـعـد أن امـتـحـنـاه وجـربـنـاه، فـمـا صـحّ أوردنـاه، و مـا بـطُـل رفـضـنـاه، و مـا اسـتـخـرجـنـاه نـحـن أيـضـا وقـايـسـنـاه عـلـى أقـوال هـؤلاء الـقـوم “.
و الـحـديـث عـن الـذيـن سـاهـمـوا فـي بـنـاء الـمـنـهـج الـعـلـمـي مـن الـعـرب الـمـسـلـمـيـن كـثـيـرون مـنـهـم أبـو بـكـر بـن زكـريـاء الـرّازي والـبـيـرونـي، و ابـن الـبـيـطـار وغـيـرهـم.


5 – الـطـّابـع الـعـام لـهـذه الـمـنـاهـج :


( الـعـقـلانـيـة الإسـلامـيـة و تـجـاوز الـمـنـهـج الأرسـطـي ) :
كـان مـنـطـق أرسـطـو يـتـبـع مـنـهـج الاسـتـنـتـاج، و قـد وجـد الـمـسـلـمـون أن مـنـهـج الاسـتـنـبـاط وحـده لا يـسـدّ حـاجـة الـتّـفـكـيـر، فـسـلـكـوا الـمـنـهـج الاسـتـقـرائـي الـذي يـقـوم عـلـى أسـاس الـمـلاحـظة، و إجـراء الـتـجـارب، ثـم انـتـبـهـوا إلـى أن مـنـهـج الاسـتـقـراء وحـدة لا يـكـفـي، فـزاوجـوا بـيـن الاسـتـقـراء و الاسـتـنـتـاج أحـسـنـهـا أو أقـربـهـا إلـى الـصـدق، و بـعـد ذلـك يـقـوم بـالـتـجـريـب. و قـد شـرح الـرازي هـذا الـمـنـهـج و طـبـقـه فـي فـحـوصـه الـطـبـيـة الـسـريـريـة، و شـرحـه جـابـر بـن حـيـان و طـبـّقـه فـي مـخـبـره كـمـا ذكـرنـا.
لـقـد تـرجـمـت كـتـب الـرازي، و ابـن الـهـيـثـم، و ابـن حـيـان وغـيـرهـم مـن الـعـرب الـمـسـلـمـيـن إلـى الـلـغـة الـلاتـيـنـيـة، و درس غـالـيـلـي وغـيـره مـن عـلـمـاء الـغـرب هـذه الـكـتـب، و خـاصـة كـتـاب ابـن الـهـيـثـم ” الـمـنـاظـر “. و لا ريـب أن هـؤلاء الـعـلـمـاء تـأثـروا بـهـذه الـكـتـب، واـسـتـفـادوا مـنـهـا فـي وضـع أسـس الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي الـحـديـث، والـحـقـيـقـة الـتـاريـخـيـة تـلـزمـنـا الاعـتـراف بـسـبـق مـسـاهـمـة الـعـرب الـمـسـلـمـيـن فـي بـنـاء الـمـنـهـج الـعـلـمـي كـمـا يـجـب الاعـتـراف بـفـضـل عـلـمـاء الـغـرب فـي تـفـصـيـل هـذا الـمـنـهـج وتـوسـعـهـم فـي اسـتـعـمـالـه و نـشـره بـيـن طـلاب الـعـلـم وعـامـة الـمـثـقـفـين. لـقـد وُجـد بـيـن عـلـمـاء الـعـَرب مـن سـبـق “روجـر بـيـكـون ” إلـى الـطـريـقـة الـعـلـمـيـّة.
و مـع أن الـمـسـلـمـيـن اسـتـخـدمـوا كـلـمـة ” قـيـاس “ الـتـي اسـتـخـدمـهـا أرسـطـو أيـضـا إلاّ أن قـيـاس الـمـسـلـمـيـن اخـتـلـف عـن الـقـيـاس الأرسـطـي الـذي هـو حـركـة فـكـريـة يـنـتـقـل فـيـهـا الـعـقـل مـن حـكـم كـلـّي إلـى أحـكـام جـزئـيـة، أو مـن حـكـم عـام إلـى حـكـم خـاص بـواسـطـة الـحـدّ الـثـالـث، نـجـد قـيـاس الـمـسـلـمـيـن يـنـتـقـل مـن حـالـة جـزئـيـة إلـى حـالـة جـزئـيـة أخـرى لـوجـود جـامـع بـيـنـهـمـا.
كـمـا أن الـقـيـاس الإسـلامـي يـخـتـلـف عـن الـتـمـثـيـل الأرسـطـي حـيـث أن الـقـيـاس الـمـسـلـمـيـن اعـتـبـروا ” الـقـيـاس ” أو قـيـاس الـغـائـب عـن الـشـاهـد مـوصـّلا إلـى الـيـقـيـن، بـيـنـمـا الـتـمـثـيـل الأرسـطـي وصـل إلـى الـظّن، و الأصـولـيـون أرجـعـوا قـيـاسـهـم إلـى نـوع مـن الاسـتـقـراء الـعـلـمـي الـدقـيـق الـقـائـم عـلـى فـكـرتـيـن أو قـانـونـيـن:
الـفـكـرة الـعـلـّيـة أي لـكـل مـعـلـول عـلـة، بـمـعـنـى أن الـحـكـم ثـبـت فـي الأصـل لـعـلـّة مـعـيـّنـة، و فـكـرة الإطـراد فـي وقـوع الـحـوادث، بـمـعـنـى أن نـفـس الـظـروف تـولـّد نـفـس الـنـتـائـج.
هـذه هـي بـعـض أسـس الـمـنـهـج الإسـلامـي أقـامـه الـمـسـلـمـون مـنـهـجـا كـامـلا، و قـد نـشـأ و تـطـور نـشـأةً إسـلامـيـة، فـمـن الـفـقـه، انـتـقـل إلـى الـعـلم، و مـن الـقـانـون انـتـقـل إلـى الـتـطـبـيـق، و عـرف الـمـسـلـمـون فـيـه مـا عـرفـه الـمـحـدثـون مـن فـكـرة الـقـانـون الـطـبـيـعـي، و قـادهـم هـذا إلـى أبـحـاث تـجـريـبـيـة.


6 – أسـئـلـة الـتـّصـحـيـح الـذاتـي :


1 – قـال الـشـافـعـي :
” لـيـس بـعـد أداء الـفـرائـض شـيء أفـضـل مـن طـلـب الـعـلـم “.
– حـلـّل هـذا الـقـول مـبـديـا رأيـك فـيـه.

2 – أدرك الـمـسـلـمـون أن الـمـنـطـق الأرسـطـي لا يـكـفـي بـحـاجـة فـي عـلـم الـحـديـث وعـلـم الأصـول و الـعـلـوم الـطـبـيـعـيـة.
– بـيـّن كـيـف تـجـاوزه الـمـسـلـمـون ؟

3- قـال ابـن خـلـدون فـي الـمـقـدمـة : “ و من عـلـوم الـحـديـث الـنـّظـر فـي الأسـانـيـد، ومـعـرفـة مـا يـجـب الـعـمـل بـه مـن الأحـاداث بـوقـوعـه عـلـى الـسـّنـد الـكـامـل الـشـروط، لأن الـعـمـل وجـب لـمـا يـطـلـب عـلـى الـظـنّ صـدقـه مـن أخـبـار الـرسـول صـلـى الـلـّه عـلـيـه و سـلـم، فـيـجـتـهـد فـي الـطـريـق الـتـي تـحـصـّل ذلـك الـظـن، و هـو بـمـعـرفـة رواة الـحـديـث بـالـعـدالـة و الـضـبـط . . . كـذلـك الأسـانـيـد تـتـفـاوت بـالـّتـصـلـهـا وانـقـطـاعـهـا، بـأن يـكـون الـراوي لـم يـلـق الـراوي الـذي نـقـل عـنـه، و بـسـلامـتـهـا من الـعـلـل الـمـوهـنـة لـهـا، و تـنـتـهـي بـالـتـفـاوت إلـى الـطـّرفـيـن، فـحـكـم بـقـبـول الأعـلـى ورد الأسـفـل، ويـخـتـلـف فـي الـمـتـوسـط بـحـسـب الـمـنـقـول عـن أئـمـة الـشـّأن، ولـهـم فـي ذلـك ألـفـاظ اصـطـلـحـوا عـلـى وصـفـهـا لـهـذه الـمـراتـب الـمـرتـبـة، مـثـل الـصـّحـيـح و الـحـسـن و الـضـعـيـف و الـمـرسـل والـمـنـقـطـع والـمـنفـضـل و الـشـاذ و غـيـر ذلـك مـن ألـقـابـه الـمـتـدولـة بـيـنـهـم “.
– أكـتـب مـقـالا فـلـسـفـيـا تـحـلـّل فـيـه هـذا الـقـول.


7– أجـوبـة الـتـصـّحـيـح الـذّاتـي :


نـجـيـب عـن الـسـؤال الـثـانـي :

الـطـريـقـة : اسـتـقـصـائـيـة
طـلـب الإحـاطـة :
أي إيـداع فـلـسـفـي لا يـنـطـلـق مـن الـعـدم، إنـه يـعـتـمـد عـلـى مـا سـبـقـه، و مـن بـيـن الـمـصـاديـر الـتـي تـأثـر بـهـا الـتـّفـكـيـر الـفـلـسـفـي الإسـلامـي، الـتـراث الـيـونـانـي، خـاصـة مـنـطـق أرسـطـو الـذي أعـتـبـر آلـة فـي الـمـعـرفـة، فـهـل الـمـسـلـمـون إلـتـفـوا فـي إبداعـاتـهـم بـالـمـنـطـق الأرسـطـي فـحـسـب ؟

طـبـيـعـتـه و إثـبـات وجـوده :
الـمـنـطـق الأرسـطـي يـعـتـمـد عـلـى الاسـتّـنـتـاجـي بـمـعـنـى أنـه يـنـتـقـل مـن الـعـام إلـى الـخـاص، إنـه يـنـتـقـل مـن قـضـيـة عـامـة إلـى نـتـيـجـة خـاصـة عـن طـريـق حـد مـشـتـرك بـيـن مـقـدمـتـيـن، بالإضـافـة إلـى هـذا أنـه مـنـطـق سـكـونـي لـم يـتـطـوّر حـيـث بـقـي تـكـررا عـقـيـمـا.
– عـلـمـاء الـحـديـث لا يـعـتـمـدون عـلـى الاسـتـنـتـاج فـقـط، و لا يـنـحـصـر عـمـلـهـم فـي الانـتـقـال مـن قـضـيـة أو مـن عـدة قـضـايـا إلـى نـتـيـجـة بـل يـحـتـاجـون إلـى اسـتـقـراء وإلـى مـعـرفـة شـخـصـيـة الـرّواة و إقـامـة الـمـقـارنـة بـيـن الأحـاديـث الـمـخـتـلـفـة الأسـانـيـد، وكـذلـك إلـى هـذه الأسـانـيـد، فـهـل هـي صـحـيـحـة أم لاّ ؟ و مـثـل هـذا الـعـمـل يـحـتـاج إلـى واسـع بـشـخـصـيـة الـرواة و كـذلـك إلـى الـنـّقـد الـتـاريـخـي.
– عـلـمـاء الأصـول عـمـدوا إلـى وضـع الـفـقـه و هـي عـبـارة عـن مـبـادىء عـامـة تـخـوّل لـلـفـقـيـه الانـطـلاق مـنـهـا لـلـحـكـم عـلـى قـضـيـة خـاصـة، و يـتـبـيـن جـلـيـا أن مـثـل هـذا الـعـمـل يـتـجـاوز الاسـتـنـتـاج الأرسـطـي لـيـتـركـز عـلـى الاسـتـقـراء.
– الـمـؤرخـون : أي نـقـد تـاريـخـي لا يـتـم بـالـطـريـقـة الاسـتـنـتـاجـيـة فـحـسـب، و لا يـتـم بـمـعـرفـة قـواعـد الـقـيـاس فـحـسـب، إنـه يـحـتـاج إلـى اطـلاع واسـع و إلـى مـخـيـلـة مـاهـرة فـي إعـادة بـنـاء الـحـوادث الـتـريـخـيـة، و إلـى مـقـارنـة الـحـوادث و عـلـوم مـتـنـوعـة.
– فـي مـيـدان الـعـلـوم الـتـجـريـبـية الـطـريـقـة الاسـتـقـرائـيـة واضـحـة
مـلاحـظـة الـظـاهـرة الـطـبـيـعـيـة ثـم إقـامـة الـفـرص ثـم اخـتـبـار هـذه الـفـرص كـمـا فـعـل ابـن الـهـيـثـم و جـابـر ابـن حـيـان حـيـث تـجـاوز الـمـنـهـج الأرسـطـي.

بـيـان قـيـمـتـه :
بـتـجـاوز الـمـنـطـق الأرسـطـي تـمـكـن الـمـسـلـمـون مـن الإبـداع فـي مـيـاديـن عـديـدة.

بـيـان حـقـيـقـتـه :
وجـود مـنـاهـج بـحـث عـنـد مـفـكـري الإسـلام لا يـمـكـن إنـكـارهـا، والـتـاريـخ يـبـقـى مـعـتـرفـًا بـمـسـاهـمـتـهـم فـي بـنـاء الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock