دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

مـشـكـلـة الـمـعـرفـة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

مـشـكـلـة الـمـعـرفـة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس
تـمـهـيـد
1 – فـي الـفـلـسـفـة : – ( الـمـثـالـيـة، الـواقـعـيـة، الـنـقـديـة، الـذرائـعـيـة ).
2 – فـي الابـسـتـمـولـوجـيـا.
3- طـبـيـعـة الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة و حـدودهـا.
4 – أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
5 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.

تـمـهـيـد :

تـنـاولـنـا مـنـاهـج الـعـلـوم الـطـّبـيـعـيـة و الـعـلـوم الإنـسـانـيـة، هـده الـمـنـاهـج أرسـاهـا الـعـلـمـاء لـلـكـشـف عـن الـعـلاقـات الـمـوجـودة بـيـن مـخـتـلـف الـظـّواهـر أي لـنـيـل الـمـعـرفـة، و بـاعـتـبـار الـفـلـسـفـة تـسـاؤلات نـقـديـة تـنـصـبّ عـلـى الـمـنـتـوج الـثـقـافـي لـتـفـهـمه وتـقـوّمـه، كـان لـزامـا عـلـيـهـا طـرح مـشـكـلـة الـمـعـرفـة :
مـا طـبـيـعـة الـمـعـرفـة ؟ و هـل هـي مـمـكـنـة عـلـى وجـه الإطـلاق أم عـلـى وجـه الـنـسـبـة ؟ هـل الـمـعـارف الـتـي بـحـوزتـنـا حـقـائـق ؟ مـا أجـدى الـوسـائـل الـمـوصـّلـة إلـى مـعـرفـة حـقـيـقـيـة ؟ هـل يـمـكـن رّد كـلّ هـذه الـمـعـارف إلـى وسـيـلـة وحـيـدة أم وسـائـل مـتـعـدّدة ؟ و مـا هـي هـذه الـوسـيـلـة أو الـوسـائـل ؟ . . .
كـل هـذه الـتـسـاؤلات هـي طـرح إشـكـالـي لـمـشـكـل الـمـعـرفـة ؟ و لا يـمـكـن الإجـابـة عـلـيـهـا إلاّ مـن خـلال مـواقـف فـلـسـفـيـة نـتـعـرّض لـبـعـض مـنـهـا.
1 – فـي الـفـلـسـفـة :


أ – الـمـذهـب الـمـثـالـي :
يـرتـبـط مـصـطـلـح الـمـثـالـيـة عـادة بـأفـلاطـون، إنـه يـمـيـّز بـيـن عـالـمـيـن : – عـالـم الـحـسَّ و هـو عـالـم الأشـيـاء الـمـحـيـطـة بـنـا. وعـالـم عـلـوِيُّ مـعـقـول و يـمـثـّل مـسـتـوى الـحـقـيـقـة الـثـابـتـة، هـذا الـعـالـم هـو عـالـم الـمـثـل الـعـلـيـا.
يـرى أفـلاطـون أن الـرّوح كـانـت فـي عـالـم الـنـثـل قـبـل أن تـسـقـط فـي قـفـص الـجـسـم، و أفـلاطـون مـعـروف بـنـظـريـة غـيـر مـمـكـنـة إلاّ فـي هـذا الـعـالـم الـعـلـوي، والـمـعـارف الـتـي هـي بـحـوزتـنـا هـي آثـار الـحـقـائـق الـتـي بـقـيـت فـي الـرّوح بـعـد مـغـادرتـهـا عـالـم الـمـثـل.
فـالـتـّصـورالـذي هـو لـديـنـا عـن الـخـيـر لا يـمـثـّل حـقـيـقـة الـخـيـر، والـوصـول إلـى حـقـيـقـة الـخـيـر أمـرمـثـالـي لا يـمـكـن لـلإنـسـان بـلـوغـه إلاّ فـي عـالـم الأرواح، و كـذلـك الـعـدالـة و الـسـعـادة والـفـضـيـلـة و غـيـرهـا، فـفـي نـظـر أفـلاطـون، الـمـعـارف مـن طـبـيـعـة عـقـلـيـة ووسـيـلـة عـقـلـيـّة إلاّ أنـهـا لـيـسـت حـقـائـق كـامـلـة، هـنـاك حـقـيـقـةهـنـاك نـسـخـة غـيـر كـامـلـة مـن الـحـقـيـقـة، الأولـى لـيـسـت بـحـوزتـنـا و لا وبـإمـكـانـنـا و الـثـانـيـة بـحـوزتـنـا وبـإمـكـانـنـا عـن طـريـق الـعـقـل لا عـن طـريـق الـحـواس.

نـقـد :
إن الـتـطـور الـذي أحـرزه عـلـم الـنـفـس فـي مـجـال دراسـة الـنـمـو الـعـقـلـي لـلـطـفـل بـيـّن أن الـولـيـد الـبـشـري لا يـمـلـك أيـة مـعـرفـة فـطـريـّة كـمـا زعـم أفـلاطـون، فـالـطـفـل يـولـد مـزوّدا بـخـاصـّيـة الاكـتـسـاب الـذي بـفـضـلـه يـكـتـسـب الـمـعـرفـة بـالـتـدريـج وبـالـتـنـاسـب مـع قـدراتـه الـذهـنـيـة عـلاوة عـلـى ذلـك، أثـبـتـت الـعـلـوم الـتـّجـريـبـيـّة إمـكـانـيـة الـمـعـرفـة عـن طـريـق الـحـواس والـعـقـل مـعـاً. ألـيـس الـقـانـون الـعـلـمـي حـقـيـقـة ؟. ألـم يـخـتـبـر عـن طـريـق الـتـجـريـب أولاً ثـم عـن طـريـق الـتـنـبـّؤ ثـانـيـا. فـإمـكـانـهـم الـيـوم الـتـنـبـّؤ فـي مـجـالات كـثـيـرة.

ب – الـمـذهـب الـواقـعـي :
يـرى الـواقـعـيـون أن أسـاس كـل مـعـرفـة هـو الـتـجـربـة و الـحـس، فـمـا هـو مـوجـود فـي الأذهـان مـوجـود فـي الأعـيـان، فـلا قـدرة لـلـعـقـل فـي إنـشـاء الـمـعـرفـة.
إن الـمـعـارف بـمـخـتـلـف أصـنـافـهـا، أن الـعـقـل يـولـد صـفـحـة بـيـضـاء، لـيـس فـيـه أي شـيء قـبـل الـتـجـربـة، فـلا يـوجـد فـي الـغـقـل إلاّ مـا مـرّ بـالـحـواس، و فـي نـظـره الـتـجـربـة نـوعـان : مـنـهـا مـا يـتـصـل بـالأشـيـاء الـخـارجـيـة، و مـنـهـا مـا يـتـصـل بـالحـوال الـنـفـسـيـة. الـحـواس تـنـنـقـل إلـى الـذهـن صـور الـمـمـسـوسـات الـعـقـل ويـشـكـل مـنـهـا صـورا ذهـنـيـة أي مـعـانٍ.
و يـرى ( هـيـوم 1711 – 1776 ) أن فـكـرة الـعـلـيـة اكـتـسـبـهـا الإنـسـان بـفـضـل الـعـادة، إنـهـا انـطـبـاع حـسـي وارد مـن الـتـجـربـة فـالـعـلـة هـي شـيء سـابـق لآخـر
ومـقـتـرن بـه، و بـحـكـم الـعـادة اكـتـسـب الإنـسـان هـذه الاقـتـرانـيـة. فـالـعـقـل غـيـر قـادر عـلـى إنـشـاء الـمـعـارف بـالاعـتـمـاد عـلـى نـفـسـه. كـل الأفـكـار الـتـي بـحـوزتـه هـي نـسـخ مـعـنـويـة مـثـل الـصـور الـشـمـسـيـة عـن الأصـل الـذي هـو الـعـالـم الـمـحـسـوس، والـحـقـيـقـة هـنـا مـعـيـارهـا تـطـابـق هـذه الـصـور مـع أصـلـهـا.

نـقـد :
لا يـمـكـن إنـكـار قـدرة الـعـقـل فـي إنـشـاء الـمـعـارف فـي الـرّيـاضـيـات مـثـلا قـفـز الـعـقـل إلـى الأعـداد الـخـيـالـيـة الـلاّنـهـايـات والـمـجـمـوعـات الـخـالـيـة. و فـي مـيـدان الـفـلـسـفـة تـأمـل مـوضـوعـات مـيـتـافـيـزيـقـيـة، و كـل هـذا لا مـقـابـل لـه فـي الـواقـع، زيـادة عـلـى ذلـك أن مـطـابـقـة الـفـكـرة لـلـواقـع أمـر يـسـتـحـيـل، فالـصـورة الـذهـنـية من طـبـيـعة مـعـنـويـة و الـواقـع مـن طـبـيـعـة ماديـة.

جـ – الـنـّزعـة الـنـقـديـة :
يـدعـونـا كـانـط ( 1724 – 1804 ) إلـى نـقـد عـقـولـنـا و مـعـرفـة الـمـبـادىء الـتـي تـقـوم عـلـيـهـا أحـكـامـنـا لـنـتـوصـل فـي الأخـيـر إلـى حـقـائـق ولـكـن لا الـحـقـائـق الـمـطـلـقـة بـل الـحـقـائـق الـبـسـيـطـة يـرى أن نـقـطـة الـبـدء فـي كـل مـعـرفـة هـي الـتـجـربـة لأن مـا يـبـنـيـه الإنـسـان هـو مـا يـؤثـر فيـه مـن مـوضـوعـات الـحـسـيـة، غـيـر أن الـمـعـرفـة لـيـسـت كـلـيـة كـمـا زعـم الـتـجـريـبـيـونّ بـل مـعـرفـة أولـيـة مـسـتـقـلـة عـن الـتـجـربـة و الـحـس، و هـي ضـروريـة. و الـمـعـرفـة الأولـيـة هـذه لـيـسـت تـلـك الأفـكـار الـفـطـريـة كـمـا زعـم أفـلاطـون، و إنـمـا هـي عـبـارة عـن شـروط قـائـمـة فـي الـذهـن، أي شـروط الـمـعـرفـة، وسـائـل تـكـويـن الـمـعـرفـة هـذه الـشـروط لـيـسـت مـعـارف بـالـمـعـنـى الـمـتـداول و لا أفـكـار جـاهـزة، إنـهـا شـروط ضـروريـة كــلـيـة إذا تـوفـرت مـعـهـا مـعـطـيـات الـحـس تـكـوّنـت مـن ذلـك مـعـارف عـلـمـيـة حـقـّة. و ( كـانـت ) لا يـعـتـمـد عـلـى الـتـجـربـة فـقـط، و لا عـلـى الـعـقـل وحـده، بـل عـلـيـهـمـا مـعـاً. الـمـعـرفـة تـتـكـوّن مـن الـحـس و مـمـا هـو مـوجـود فـي الـعـقـل، ( شـروط الـمـعـرفـة ). و الـمـهـمـّة الـنـقـديـة لـلـمـعـرفـة هـي الـعـمـل عـلـى تـبـيـان مـا يـرِدُ إلـيـنـا مـن الـخـارج، و مـا نـُضـْفـِيـه نـحـن عـلـى الـمـعـطـيـات الـحـسـيـة.

نـقـد :
جـعـل ( كـانـط ) وظـيـفـة فـي تـحـلـيـل إمـكـانـيـات مـن أجـل إدراك الـواقـع إدراكـا عـلـمـيـا، و قـسـّم الـعـقـل إلـى نـظـري و عـلـمـي، و جـعـل مـن مـهـمـة الـنـظـري إدراك الـظـواهـر فـحـسـب و الـعـلـمـي (الـضـمـيـر الأخـلاقـي ) إدراك الـبـاطـن.
و اعـتـبـر كـانـط الـقـَبـْلـي شـرطـا لـلـبـعـْدي و أسـاسـا لـه، أي أنـــه مــثـل ( ديـكـارت ) الـذي جـعـل مـسـلـمـات عـقـلـيـة فـطـريـة، وجـعـلـهـا أسـاس إدراك الـواقـع، و شـرط إمـكـان الـتـجـربـة. و الـتـجـربـة مـسـتـحـيـلـة بـدون شـرطـهـا الـقـبـلـي فـي الـفـكـر، و بـالـتـالـي يـسـتـحـيـل ادراك الـعـالـم أو مـعـرفـتـه إن لـم تـكـن هـنـاك هـذه الـقـوالـب الـقـبـلـيـة، و لا تـسـتـطـيـع الـمـعـرفـة أن تـعـطـيـنـا إلاّ مـا تـعـطـيـه الـتـجـربـة و بـالـتـالـي فـهـي لاتـسـتـطـيـع إدراك الـمـوضـوعـات الـنـظـريـة الـصـرفـة، و هـذا ظـاهـر فـي كـتـاب كـانـط “مـقـدمـة لـكـل مـيـتـافـيـزيـقـا مـقـبـلـة يـمـكـن أن تـكـون عـلـمـا ” والإشـكـال الـذي يـبـقـى قـائـمـا : كـيـف يـمـكـن إثـبـات وجـود هـذه الـشـروط و إثـبـات فـطـريـتـهـا أي قـبـيـلـتـهـا ؟.

د – الـمـذهـب الـذرائـعـي ( الـبـراغـمـاتـي ) :
اعـتـمـدت الـمـذاهـب الـحـسـيـة عـلـى الـحـواس فـي الـحـصـول عـلـى الـمـعـرفـة، و اعـتـمـدت الـمـذاهـب الـعـقـلـيـّة عـلـى فـروض ومـقـدمـات عـقـلـيـة و هـنـا تـأتـي الـذرائـعـيـة مـوجـهـة كـل جـهـدهـا إلـى حـلّ هـذا الإشـكـال. أول مـن صـاغ اصـطـلاح ” بـراغـمـا ” بـيـرس و مـعـنـاه ” عـلـمـي أو صـالـح لـغـرض مـعـيـن أو يــــؤدّي إلـى الـغـرض الـمـطـلـوب ” ثـم تـنـاولـه ( ولـيـم جـيـمـس ) و فـصـلـه فـي نـظـام فـلـسـفـي حـتـى أصـبـح هـذا الـمـذهـب يـعـرف بـه.
زعــم ( بـيـرس ) فـي مـفـتـتـح الـبـراغـمـاتـيـة أن الـفـكـرة خـطـوة تـمـهـيـديـة لـلـعـمـل و لأحـداث الـنـتـائـج فـي هـذا الـعـالـم، ثـم زاد (ويـلـمَ جـيـمـس ) عـلـى هـذا أن كـل عـقـيـدة تـؤدي إلـى نـتـيـجـة مـرضـيـة أو حـسـنـة، إنـمـا هـي عـقـيـدة حـقـيـقـية، ولـيـسـت الـفـكـرة مـشـروعـا لـلـعـمـل فـقـط، إذ نـتـائـج الـعـمـل هـي الـدلـيـل عـلـى صـحـّة الـفـكـرة، الـنـتـائـج الـتـي سـتـتـرتـب عـلـى الـفـكـرة هـي بـرهـان عـلـى صـحـة الـفـكـرة أو عـدم صـحـتـهـا، فـالـفـكـرة رهـيـنـة وظـيـفـتـهـا، إذا كـانـت لـهـا وظـيـفـة ذات مـردود نـافـع هـي صـائـبـة و صـوابـهـا هـو نـفـعـهـا وصـلاحـهـا.

نـقـد :
لـيـس مـن الـمـعـقـول وضـع الـحـقـيـقـة و الـمـنـفـعـة عـلـى قـدم الـمـسـاواة و كـأن “كـل مـا هـو صـحـيـح نـافـع ” يـقـابـل ” كـل مـا نـافـع صـحـيـح ” ربـط هـذه الـحـقـيـقـة بـالـمـردود الـنـافـع يـفـقـدهـا جـزءاً مـن هـويـتـهـا، الـحـقـيـقـة مـوضـوعـيـة.
و إذا جـعـلـنـا “الـنـتـائـج الـعـلـمـيـّة الـنـافـعـة” مـعـيـارا لـهـا تـصـبـح نـسـبـيـّة لـلآخـر. زد إلـى ذلـك أن الـضـارّ نـافـع مـن وجـهـة إنـه بـعـلـمـنـي الابـتـعـاد مـنـه فـي الـمـسـتـقـبـل.

2 – فـي الإبـسـتـمـولـوجـيـا :
يـمـيـّز الابـسـتـمـولـوجـي بـيـن نـوعـيـن مـن الـمـعـارف، الـمـعـارف ذات الـصـّنـف الـحـسـّي، و أصـلـهـا تـجـريـبـي و مـنـهـجـهـا واقـعـي، والـمـعـارف ذات الـصـنـف الـذهـنـي، و أصـلـهـا عـقـلـي و مـنـهـجـهـا اِسـتـدلالـي تـأمـّلـي. كـلّ هـذه الـمـعـارف تـتـطـلـب نـشـاطـا مـن الـذات الـتـي تـريـد أن تـعـرف، كـونـهـا تـقـوم بـإجـراءات، هـذه الإجـراءات هـي جـمـلـة الـمـنـاهـج الـنـتـبـعـة فـي مـخـتـلـف الـعـلـوم. الـمـعـرفـة لـيست أمرا جاهزا، إنـها مـرهـونـة بـالـشـروط الـمـكـوِّنـة و الـشـروط الـمكوًّنـة.
لـلـذات الـعـارفـة وزن لـدى الابـسـتـمـولـوجـيـيـن كـونـهـا تـقـوم بـإجـراءات لـنـيـل الـمـعـرفـة مـعـتـمـدة فـي ذلـك عـلـى الـحـواس والـعـقـل مـعـا، وعـلـى جـهـدهـا فـي تـطـويـر الـمـنـهاهـج، و فـي تـطـويـر نـفـسـهـا. الـرّوح الـعـلـمـي يـطـوّر نـفـسـه بـواسـطـة الـمـاضـي الـمـاضـي ضـروري لـه، إذ لا بـدّ لـه أن يـسـتـفـيـد مـن الأخـطـاء الـمـرتـكـبـة فـي الـمـاضـي، لـذا فـتـاريـخ الـعـلـوم هـو مـخـبـر بـالـنـسـبـة لـه. تـاريـخ الـعـلـوم عـنـد الإبـسـتـمـولـوجـيـيـن هـو مـجـهـر الـعـقـل، بـه يـطـّلـع عـلـى الـتـّفـكـيـر الإيـجـابـي الـتـّفـكـيـر الـسـلـبـي، الأول نـحـتـفـظ بـه، و الـثـانـي نـتـخـلـّى عـنـه و نـرفـضـه و(الـقـطـيـعـة الإبـسـتـمـولـوجـيـة) تـاريـخ الـعـلـوم يـخـوّل لـنـا إنـارة الـطـريـق الـقـادم، فـالـوصـول إلـى الـمـعـرفـة يـحـتـاج هـنـا إلـى الـفـلـسـفـة، فـلـسـفـة مـن نـوع جـديـد
فـيـلـسـوفـهـا لا يـكـون مـتـمـذهـبـا، لا مـثـلـيـا و لا واقـعـيـا و لا ذرائـعـيـا، فـيـلـسـوف يـعـي الـتـأثـيـر الـمـتـبـادل بـيـن مـا هـو تـجـريـبـي و مـا هـو عـقـلـي، فـالـتـجـريـب بـحـاجـة إلـى الـعـقـل، والـعـقـل بـحـاجـة إلـى الـتـطـبـيـق، و الـفـلـسـفـة تـتـقـدم فـي نـظـرالابـسـتـمـولـوجـي حـيـنـمـا تـخـضـع الـعـلـوم إلـى الـتـفـلـسـف.
و هـكـذا بـيـّن بـاشـلار فـي كـتـاب “فـلـسـفـة الـلاّ “ أن الـعـلـم يـأمـر الـفـلـسـفـة، وفـي كـتـاب ” الـرّوح الـعـلـمـي الـجـديـد ” أن الـعـلـم يـَنـشـأ مـن الـفـلـسـفة
لاشـك أن الإبـسـتـمـولـوجـيـة هـي نـظـرة نـقـديـة لـلـمـعـرفـة، هـذه الـنـظـرة هـي وعـي الإنـسـانـيـة لـمـعـرفـتـهـا، و الـمـعـرفـة مـوضـوع عـام فـي الـفـلـسـفـات الـمـعـاصـرة، إلاّ أن الإبـسـتـتـمـولـوجـيـيـن لـم يـصـلـوا بـعـد إلـى غـرضـهـم الـنـهـائـي و هـو إيـجـاد مـعـيـار واحـد عـام لاخـتـبـار حـقـيـقـة الـمـعـرفـة

3 – طـبـيـعـة الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة :
لـقـد أكـد كـانـت مـن قـبـل أن الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة مـمــكـنـة مـا دامـت الـمـعـرفـة عـنـد الإنـسـان قـائـمـة عـلـى أسـاس الـعـقـل مـن جـهـة والـتـّجـريـب مـن جـهـة أخـرى.
لـكـن الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة فـي نـظـر بـاشـلار لـم تـعـد مـجـرد امـتـداد لـلـمـعـرفـة الـحـسـيـة كـمـا كـان الاعـتـقـاد سـائـدا فـي الـقـديـم. إنـهـا فـي نـظـره فـي قـطـيـعـة مـع الـمـعـرفـة الـحـسـيـة، فـالـحـرارة الـيـوم تـقـاس بـ ( الـتـرمـومـتـر ) لا بـإحـسـاسـنـا بـهـا.الـمـوضـوعـيـة الـعـلـمـيـّة لـيـسـت مـطـلـقـة لأن الـذات تـتـسـرب إلـى أكـثـر الـمـنـاهـج وصـرامـة، و لأن الـحـيـاة الـلاّشـعـوريـة ذات أثـر واضـح فـي الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة و فـي الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي.
-و لـكـن رغـم تـعـطـيـل هـذه الـعـوائـق لـلـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة، إلاّ أنـهـا مـن جـهـة أخـرى تـعـتـبـر عـن الـنـوع مـن الـضـرورة الـوظـيـفـيـة لـلـعـمـل الـعـلـمـي إذ لا عـمـل عـِلـْمـِي دون عـوائـق ابـسـتـمـولـوجـيـة مـادام وجـودهـا هـو الـذي يـدعـونـا إلـى ضـرورة وعـيـهـا و الـعـمـل عـلـى تـجـاوزهـا و نـسـبـيـا كـمـا هـو الـحـال فـي الانـتـقـال الـذي تـم مـن فـيـزيـاء نـيـوتـن إلـى نـظـريـة الـنـسـبـيـة ثـم إلـى الـمـيـكـروفـيـزيـاء.
و هـذا الـتـجـاوز هـو مـا يـدعـوه بـاشـلار بـالـقـطـيـعـة الابـسـتـمـولـوجـيـة. – ثـم إن الـعـلـم الـيـوم لا يـعـطـيـنـا امـتـلاك لـلـواقـع بـل الـواقـع هـو الـذي يـصـيـرامـتـثـالا، إنـه الـيـوم ذو صـبـغـة تـجـريـديـة مـتـحـررة مـن الـرجـوع إلـى الـواقـع الـمـبـاشـر، و لـم تـعـد الـتـجـربـة الـيـوم هـي الـحـكـم الأعـلـى لـلـعـلـم بـل أصـبـحـت عـمـلا نـظـريـا يـدخـل فـي تـكـويـن الـتـّطـور الـعـلـمـي، و لا الـنـظـريـات الـعـلـمـيـّة مـجـرد فـروض تـمـهـد لـلـبـحـث كـمـا كـان حـالـهـا سـابـقـا بـل هـي الـيـوم الـخـطـوة الأولـى فـي الـبـحـث الـعـلـمـي بـدل الـمـلاحـظـة لأن وضـعـهـا أصـبـح يـتـم بـالاسـتـنـبـاط، لـذلـك أصـبـح الـعـالـم هـو الـصـورة الـدائـمـة الـتـي يـعـطـيـهـا إيـاهـا الـعلـم، و لـيـس ذاك الـذي تـحـقـقـه الـتـّجـربـة. فـالـواقـع كـمـا يـقـول باشـلار: “لـيـس هـو دائـمـا مـا نـعـتـقـده بـل هـو مـا كـان يـنـبـغـي لـنـا إدراكـه “.
أمـا تـقـدم الـعـلـم فـهـو قـائـم أسـَاسـاً عـلـى الانـفـصـال و الـقـطـيـعـة والـنـدم الـمـتـواصـل ونـقـد الـعـقـل لـنـفـسـه، و الـتـفـتـح الـدائـم.

حـدود الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة :
و مـادام الأمـر كـمـا قـلـنـا سـابـقـا فـإن الـعـلـم فـي حـاجـة إلـى فـلـسـفـة نـقـديـة تـبـيـّن لـه حـدوده، و تـكـتـشـف لـه عـن أخـطـائـه و عـوائـقـه وتـحـرره مـن الـتـبـعـيـة لـلـمـقـايـيـس الـقـارة الـمـطـلـقـة، و هـذه الـفـلـسـفـة هـي الابـسـتـمـولـوجـيـة الـتـي تـعـمـل عـلـى هـدم مـفـاهـيـم الـفـلـسـفـة الـتـقـلـيـديـة الـمـؤثـرة فـي الـعـلـم كـمـفـهـوم الـجـوهـر، والـحـقـيـقـة، و الـبـداهـة، و الـواقـع، و عـلـى تـجـاوز ركـائـزهـا الأسـاسـيـة قـصـد خـلـخـلـة مـخـتـلـف الأزواج الـتـي تـقـوم عـلـيـهـا الـفـلـسـفـات الـتـقـلـيـديـة مثل : الـعقـل / الـمـادة – الـواقـع /الـعـقـل – الـمـادة / الـفـكـر .
هـذه الـنـظـرة الـجـديـدة أكـدت قـيـم الـفـكـر الـنـظـري و الـتـّجـريـبـي مـعـا أنـتـهـت وإلـى عـقـلانـيـة جـديـدة تـربـط بـيـن الـعـقـلانـيـة والـتـّجـريـبـيـة أي عـقـلانـيـة يـؤازرهـا الـعـلـم، لأن الـتـّجـريـبـيـة فـي حـاجـة إلـى الـعـقـلانـيـة أي نـظـريـات و الـعـقـلانـيـة فـي حـاجـة إلـى بـراهـيـن و إلـى تـطـبـيـقـات تـؤكـدهـا. و هـو أمـريـتـطـلـب فـلـسـفـة ثـنـائـيـة الاتـجـاه تـحـقـق الـتـطـّور الـجـدلـي لـلـمـعـرفـة و لـلـعـلـم ويـؤكـد نـسـبـة الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة و حـدودهـا و تـفـتـحـهـا الـدائـم وقـابـلـيـتـهـا لـلـتـصـحـيـح.

4 – أسـئـلـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :
– يـرى ( فـون هـوجـل ) أن الـمـعـرفـة تـشــتـرك فـيـهـا عنـاصـر ثـلاثـة :
– الـذات -الـمـوضـوع – لـوظـيـفـة الـفـكـريـة.
– حـلـل هـذا الـرأي مـتـخـذا مـوقـفـا مـنـه.
– هـل الـطـّريـقـة الـعـلـمـيـّة كـفـيـلـة بـمـنـح الإنـسـان الـمـعـارف فـي جـمـيـع الـمـيـاديـن ؟
– أجـوبـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :
الإجـابـة عـلـى الـسـؤال الـثـانـي :

الـطـريـقـة اسـتـقـصـائـيـة :
الـمـدخـل :
انـبـهـار الـنـاس بـالـتـطـور الـذي أحـرزه الـعـلـم و بـنـتـائـحـه، خـاصـة الـجـانـب الـتـكـنـولـوجـي جـعـلـهـم يـثـقـون ثـقـة مـطـلـقـة بـأن الـعـلـم قـادر عـلـى تـفـسـيـر كـل مـجـالات الـوجـود.

بـيـان طـبـيـعـتـه و إثـبـات وجـوده :
الـفـيـزيـاء و الـكـيـمـيـاء : بـيـان مـيـدانـهـا و مـدى تـطـورهـمـا.
الـبـيـولـوجـيـا : بـيـان مـيـدانـه و مـدى تـطـورهـا.
الـعـلـوم الإنـسـانـسـيـة : بـيـان اسـتـطـاعـة الـعـلـم اقـتـحـام مـجـال الـظـواهـر الإنـسـانـيـة (عـلـم الـنـفـس و عـلـم الاجـتـمـاع).

بـيـان قـيـمـتـه :
عـلـى الـرغـم مـن الـتـطـور الـذي بـلـغـتـه فـي مـيـدان هـذه الـعـلـوم، الـطـريـقـة الـعـلـمـيـّة غـيـر مـجـديـة فـي مـجـالات عـديـدة لا يـمـكـن بـحـثـهـا إلاّ بـالـفـلـسـفـة كـالـحـريـة و الـمـسـؤولـيـة و الـقـيـم وغـيـرهـا.

بـيـان الـحـقـيـقـة :
الـتـقـدم الـحـقـيـقـي يـمـكـن فـي الـمـزاوجـة بـيـن الـتـطـور الـعـلـمـي والـتـطـور الـفـلـسـفـي. الـفـلـسـفـة لا تـقـل ضـرورتـهـا عـن ضـرورة الـعـلـم.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock