دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الـمنـهج التـّجـريبي في علـوم الـمادّة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الـمنـهج التـّجـريبي في علـوم الـمادّة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس

تـمـهـيـد
1 – خـطـوات الـمـنـهـج الـتـّجـريـبي.
2 – الاسـتـقـراء و إشـكـالـيـة تـبـريـره.
3 – الـسّبـبـيـة الـعـلـمـيـّة و الـقـانـون الـعـلـمـي.
4 – الـحـتـمـيّـة و اللاّحـتـمـيّـة.
5 – حـدود الـتّـجـربـة فـي الـبـيـلـوجـيـا.
6 – إشكالـيّـة الآلـيّة و الـغـائـيّـة فـي الـبـيـولـوجـيـا.
7 – أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
8 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
تـمـهـيـد 


اسـتـطـاع الإنـسـان، حـوالـي الـقـرن 17 أن يـبـتـكـر مـنـهـجـا جـديـدا لـتـحـصـيـل الـمـعـرفـة، و هـو الـمـنـهـج الـذي تـوّلـدت عـنـه الـحـركـة الـعـلـمـيـّة الـحـديـثـة. و قـد غـرس ( فـرنـسـيـس بـيـكـون ) بـذور الـمـنـهـج الـعـلـمـي عـنـدمـا هـاجـم بـدون هـوادة الـمـنـهـج الاسـتـنـبـاطـي فـي الـوصـول إلـى نـتـائـج عـلـى أسـاس مـقـدمـات مـسـلـم بـهـا. واقـتـرح الـوصـول إلـى نـتـائـج عـامـة تـبـنـى عـلـى الـوقـائـع الـتـي نـلاحـظـها، إلاّ أن الـمـنـهـج ( بـيـكـون ) إسـتـمـر فـي جـمـع الـحـقـائـق عـشـوائـيـا، حـيـث كـان يـعـطـي فـي الـنـهـايـة أكـداسـا هـائـلـة مـن الـمـعـلـومـات لا عـلاقـة لـهـا بـالـمـشـكـلـة، و لـذلـك حاول رجـال مـثـل ( نـيـوتـن و غـالـيـلـي ) و غـيـرهـمـا تـصـمـيـم مـنهـج أكـثـر فـاعـلـيـة فـي تـحـصـيـل مـعـرفـة مـوثـوق بـهـا، و جـمـعـوا لـذلـك بـيـن عـمـلـيـات الـتـّفـكـيـر الاسـتـنـبـاطـي و الاسـتـقـائـي، وأنـتـج هـذا الـجـمـع بـيـن الـفـكـر و الـمـلاحـظـة مـنـهـج الـبـحـث الـعـلـمـي الـحـديـث الـذي هـو مـوضـوع درسـنـا هـذا.

1 – خـطـوات الـمنـهـج الـتـّجريـبي في الـطـّبـيعيـّات :

الـمـلاحـظـة :
فـي هـذه الـمـرحـلـة، الـفـكـر يـوجـه الـحـواس لـمـعـرفـة خـصـائـص الـظـاهـرة كـمـا فـي الـطّـبـيـعـة، و قـد تـكـون الـمـلاحـظـة بـسـيـطـة بـاسـتـعـمـال الـحـواس الـمـجـردة، و قـد تـكـون مـجـهـزة أو مـسـلـحـة حـيـنـمـا نـدعـّم حـواسـنـا بـأدوات و آلات.

الـفـرض :
فـي هـذه الـمـرحـلـة يـعـتـمـد الـفـكـر عـلـى تـخـمـيـنـاتـه بـالاسـتـنـاد إلـى خـصـائـص الـظـاهـرة الـتـي لاحـظـهـا لـوضـع تـفـسـيـر لـهـا و هـذا الـفـرض يـبـقـى مـحـتـمـلا الـصـحـة و الـخـطـأ مـا لـم يـحـال إلـى التـّجـريـب، و لـذلك قال عـنـه ( كـلـود بـيـرنـار) بـأنـه قـفـزة نـحـو المـجـهـول.
و قـال ( مـاخ ) : ” إن هـذه الـفـكـرة ضـروريـة ولـولاهـا لـمـا اسـتـطـاع الـعـالـم أن يـجـرَّب، لأن الـتّـجـربـة تـتـبـع الـفـكـرة، و الـفـكـرة تـحـدد الاتـجـاه الـعـلـمـي، و تـقـود يـد الـمـجـرّب فـيـسـتـرشـد بـهـا فـي إجـزاء الـتّـجـربـة، ولا قـيـمـة لـلـتّـجـريـب إلاّ إذ كـان مـوجـّهـا إلـى إثـبـات فـكـرة مـعـيـّنـة “.

الـتّـجـريـب :
و هـو مـرحـلـة اخـتـبـار الـفـرضـيـات فـإذا نـجـح الـعـالـم فـي فـرضـيـتـه،
وجـاء الـتـّجـريـب مـؤيـّدا لـهـا، أخـذ بـهـا، و إذا عـارض الـتّـجـربـة لـجـأ إلـى وضـع فـرضـيـات أخـرى. و قـال ( كـلـو بـيـرنـار) : ” الـمـلاحـظـة تـُظـهـِر و الـتـّجـريـب يـُخـبـِر “ وقـال كـذلـك : ” الـحـادث يـوحـي بـالـفـكـرة، و الـفـكـرة تـقـود الـتّـجـربـة و الـتّـجـربـة تـخـتـبـر الـفـكـرة “. فـي الـمـلاحـظـة يـعـتـمـد الـعـالـم عـلـى الـحـواس، أمـا فـي وضـع الـفـرض فإنـه يـعـتـمـد عـلـى الـفـكـر، و أثـنـاء مـرحـلـة الـتـّجـريـب يـعـتـمـد عـلـى الـحـواس والـفـكـر، و يـسـمـي ( بـيـرنـار ) هـذا الانـتـقـال بـالـجـدلـيـّة الـعـلـمـيـّة.

2 – الاسـتـقـراء و إشـكـالـيـة تـبـريـره :

الإسـتـقـراء نـوع مـن الاسـتـدلال يـتـعـلـق بـمـوضـوعـات مـحـسـوسـة هـي مـا نـدعـوه بـالـظـواهـر و فـيـه يـنـتـقـل الـعـقـل مـن الـظـواهـر الـجـزئـيـة إلـى الـقـوانـيـن الـعـامـة لـذلـك قـيـل : هـو الـحـكـم عـلـى كـلـي بـمـا لـوحـظ فـي جـزئـيـاتـه إمـا كـلـهـا وهـو الاسـتـقـراء الـتـام، وإمـا بـعـضـهـا و هـو الاسـتـقـراء الـمـشـهـور، و هـذا الـنـوع الأخـيـر هـو الـمـسـتـخـدم فـي مـجـال الـعـلـم، فـإذا لاحـظ الـعـالـم أن بـعـض قـطـع الـحـديـد تـتـمـدد بـالـحـرارة بـالـحـرارة، فـإنـه يـعـمـم تـلـك الـمـلاحـظـة عـلـى جـمـيـع قـطـع الـحـديـد حـاكـمـا بـأن كـل الـحـديـد يـتـمـدد بـالـحـرارة لـكـن هـذا الانـتـقـال مـن الـعـيـنـات الـخـاصـّة إلـى الـكـل يـطـرح اشـكـالا هـو.إذا كـان الـعـلـمـاء لا يـجـربـون فـي بـحـوثـهـم إلاّعـلـى عـيـنـات مـحـدودة مـن الـظـواهـر، ثـم يـعـمـمـون أحـكـامـهـم الـمـسـتـمـدة مـن هـذه الـعـيـنـات أو الـتـجـارب الـجـزئـيـة علـى الـظـواهـر الأخـرى الـمـشـابـهـة دون إخـضـاعـهـا هـي أيـضـا لـلـمـلاحـظـة و الـتـّجـريـب.
فـإن ذلـك يـخـالـف الـقـاعـدة الـمـنـطـقـيـة الـتـي تـنـص عـلـى أن ( صـدق الـحـكـم الـجـزئـي لا يـعـتـبـر دلـيـلا عـلـى صـدق الـحـكـم الـكـلـي ) وعـلـيـه فـمـا هـو الـمـبـررالـعـقـلـي لـهـذا الانـتـقـال مـن صـدق الـجـزئـي إلـى صـدق الـكـلـي ؟

أ – مـوقـف الـتـّجـريـبـيـيـن :
يـعـتـبـر هـيـوم Hume ( 1711 – 1776 م ) أول مـن أثـار الـشـك حـول مـسـألـة الـتـعـمـيـم الاسـتـقـرائـي و بـيـن أنه لا يـوجد أي بـرهـان مـنـطـقـي أو تـجـريـبـي يـدل عـلـى صـدق الاسـتـقـراء أو يـبـرر الإعـتـمـاد عـلـيـه لأن الـقـضـايـا الـعـامـة الـتـي يـقـررهـا لا تـشـبـه الـقـضـايـا الـرّيـاضـيـة فـي يـقـيـنـهـا، و عـلـيـه فإن صـدق أي قـضـيـة فـي الـمـاضـي أو فـي الـحـاضـر لا يـعـتـبـر دلـيـلا عـلـى صـدقـهـا فـي الـمـسـتـقـبـل.

مـناقـشـة :
إن هـيـوم يـنـفـي صـدق الاسـتـقـراء مـن جـهـة و لا يـنـكـر الـتـعـمـيـم والـتـكـهـن بـالـمـسـتـقـبـل مـن جـهـة أخـرى لأنـنـا لا نـسـتـطـيـع فـي رأيـه سـلـوك مـسـلـك آخـر و هـو هـنـا يـبـرر الـمـشـكـلـة من الـنـاحـيـة الـواقـعـيـة لا الـمـنـطـقـيـة. و قـد حـاول (سـتـوارت مـل S. Mill ) تـبـريـر الاسـتـقـراء بـالاعـتـمـاد عـلـى مـبـدأ الـسـبـبـيـة الـعـام لأن صـحـة طـرق الاسـتـقـراء الـتـي وضـعـهـا هـو مـتـوقـفـة عـلـى الـفـرض الـقـائـل : “كـل حـادثـة أو الـظـاهـرة مـتـركـبـة عـلـى سـبـب سـابـق تـتـبـعـه دون تـخـلـف أو دون أن تـكـون مـشـروكـة بـشـرط مـا “.

مـنـاقـشـة :
نـفـى ( مـل ) أن يـكـون مـبـدأ الـسـبـبـيـة مـبـدأ نـظـريـا أوبـدهـيـا يـعـتـبـره ضـربـا مـن الـتـعـمـيـم لا يـصـل إلـيـه الإنـسـان إلاّ فـي وقـت مـتـأخـر نـسـبـيـا أي بـعـد الاهـتـداء إلـى قـوانـيـن طـبـيـعـيـة شـديـدة الـظـهـور ونـلاحـظ عـلـيـه أنـه يـضـع مـبـدأ الـسـبـبـيـة أسـاسـا لـلاسـتـقـراء ويـعـتـبـره فـي نـفـس الـوقـت نـتـيـجـة لـضـروب عـديـدة مـن الاسـتـقـراء وهـذا تـنـاقـض كـمـا هـو واضـح.

مـوقـف الـعـقـلـيـيـن :
يـقـوم الاسـتـقـراء عـنـد ( كـانـت ) عـلـى أسـاس مـبـدأ الـسـبـبـيـة الـعـام الـذي يـنـص عـلـى أن كـل مـا يـحـدث إنـمـا يـحـدث لـسـبـب، و أن نـفـس الأسـبـاب تـؤدي دائـمـا إلـى نـفـس الـنـتـائـج. و هـو فـي رأيـه شـرط ضـروري لـصـحـّة الـتـّفـكـيـر و لـكـنـه شـرط غـيـر كـاف يـحـتـاج إلـى مـبـدأ آخـر هـو مـبـدأ (الـغـائـيـة ) الـذي يـنـص عـلـى أن كـل مـا يـوجـد إنـمـا يـوجـد لـغـايـة وإلـى نـفـس الـمـذهـب ذهـب ( لاشـوبـيـي 1832 – 1918 )، فـي رسـالـتـه الـشـهـيـرة (أسـاس الاسـتـقـراء ) الـذي بـيـّن فـيـه أن لـلـعـلـيـة مـبـدأيـن أسـاسـيـيـن تـرتـكـز عـلـيـهـمـا هـمـا.
– مـبـدأ الـفـعـالـيـة و هـو نـفـسـه مـبـدأ الـسـبـب الـعـام عـنـد كـانـت، ومـبـدأ الـغـائـيـة الـذي يـعـنـي أن وجـود أي ظـاهـرة لا يـتـعـيـن تـعـيـنـا حـقـيـقـيـا ألاّ بـالـنـسـبـة إلـى نـظـام كـلـي، أي الـكـل هـو الـذي يـحـدد الأجزاء و يـقـودهـا حتى لا تـسلـسل الأسـباب إلـى مـالانـهـايـة و تـشيـع الفـوضى.

مـنـاقـشـة :
إن قـول كـل مـن ( كـانـت، و لاشـويـيـي ) بـالـغـائـيـة يـزيـد فـي تـعـقـيـد الـمـشـكـلـة و فـي صـعـوبـة تـطـبـيـق الـمـنـهـج الـتـّجـريـبـي. وعـلـيـه فـلا يـبـقـى أمـامـنـا إلاّ الـقـول بـأن الاسـتـقـراء يـقـوم عـلـى أسـاس الـتـسـلـيـم بـأن الـظـواهـر تـقـع وفـقـا لـنـظـام عـام ثـابـت لا يـقـبـل الإسـتـثـنـاء أو الإحـتـمـال، و الإيـمـان بـأن الـطـبـيـعـة غـيـر مـعـقـدة و هـذا يـقـودنـا إلـى ضـرورة الـتـسـلـيـم بـمـبـدأ الـحـتـمـيـة الـدقـيـق لأن الاعـتـقـاد فـي الـحـتـمـيـة أمـر ضـروري لـبـنـاء الـعـلـم إذ لـولا هـذا الاعـتـقـاد لـتـوقـف الـعـلـم و الـبـحـث الـعـلـمـي. فـالـحـتـمـيـة إذن ضـروريـة و لا يـنـقـص مـن أهـمـيـتـهـا عـدم إمـكـان الـبـرهـنـة عـلـيـهـا.

3 – الـسـّبـبـيـة الـعلـميـّة و الـقـانـون الـعـلـمـي :

الـسـبـب فـي اصـطلاح الـفـلاسـفـة مـا يـتـوقـف عـلـيـه وجـود الـشـيء ويـكـون خـارجـا مـؤثـرا فـيـه. الـسـبـب بـهـذا الـمـعـنـى هـو مـا يـحـدث الـشـيء و كـأنـه قـوة تـلـزم وجـود الـشـيء. و قـد انـتـقـد ( هـيـوم ) تـفـسـيـر الـسـبـب بـالـقـوة الـمـبـدعـة تـنـتـقـل مـن الـسـبـب بـالـقـوة إلـى الـمـسـبـب، فـلا وجـود لـتـحـوّل مـوضـوعـي بـيـن الأول و الـثـانـي، إنـه تـتـابـع يـولـّد انـطـبـاعـا فـيـنـا، انـطـبـاعـاً بـارتـبـاط ضـروري بـيـنـهـمـا. فـإذا اصـطـدمـت إحـدى الـكـرات بـكـرة ثـانـيـة، فـإنـنـا لا نـشـاهـد فـي حـركـة الأولـى قـوة فـاعـلـة، و كـل مـا هـنـاك مـشـاهـدة الـكـرة الـثـانـيـة تـعـقـب حـركـة الأولـى.
فـالـسـبـب هـو الـظـاهـرة الـمـتـقـدمـة فـي الـوجـود و الـمـسـبـب هـو الـظـاهـرة الـمـتـأخـرة.
لـقـد كـان لانـتـقـاد ( هـيـوم ) أثـرا عـظـيـمـا فـي تـبـديـل مـعـنـى الـسـبـب، فـالـعـلاقـة الـدالـة عـلـى الـسـبـب لـيـسـت سـوى وجـود علاقـة دائـمـة بـيـن ظـاهـرتـيـن إحـداهـمـا مـقـدمـة والأخـرى تـالـيـة، فـإذا حـدثـت الأولـى حـدثت الـثـانـيـة، و إذا تـخـلـفـت الأولـى تـخـلـفـت الـثـانـيـة، و إذا تـغـيـّرت مـعـهـا بـنـسـبـة واحـدة. لـذلـك أصـبـح الـعـلـمـاء يـبـحـثـون، لا عـن الـسـبـب بـل عـن الـعـلاقـة الـدائـمـة بـيـن حـادثـتـيـن، تـسـمـى الأولـى مـنـهـمـا مـقـدمـا و الـثـانـيـة تـالـيـا.
والـقـانـون الـعـلـمـي يـعـَّرفـه ( أوغـيـسـت كـونـت ) “بـأنـه عـلاقـة ثـابـتـة بـيـن ظـاهـرتـيـن” فالـعـلـم فـي نـظـره، لا يـبـحـث عـن الأسـبـاب الـحـقـيـة الـعـمـيـقـة، بـل فـي قـوانـيـن الـظـواهـر. إنّ الـبـحـث عـن عـلـة الـظـاهـرة يـسـتـدعـي الـبـحـث عـن قـانـونـهـا. قـال( وُونـدت ) : “الـقـانـون فـي الـقـرن الـسـابـع عـشـر هـو مـا شـرّعـه الـلـّه، وفـي الـقـرن الـثـامـن عـشـر مـا شـرّعـتـه الطـبـيـعـة و فـي الـقـرن الـتاسـع عـشـر مـا شـرّعـعـه الـعـلـمـاء”
و يـعـنـي أنـه يـدل عـلـى نـسـبـة الـحـوادث الـطّـبـيـعـيـة بـعـضـهـا إلـى بـعـض، هـذه الـنـسـبـة الـتـي يـحـاول الـعـلـم الـمـعـاضـر الـتـعـبـيـر عـنـهـا بـلـغـة عـدديـة، فـهـي نـسـبـة ريـاضـيـة بـيـن مـتـغـيـّريـن أو مـتـغـيـّرات. قـال ( مـاَخ ) :
كـلـمـا تـكـامـل الـعـلـم قـلّ اسـتـخـدامـه لـمـفـهـومـي الـسـبـب والـسـبـب، حـتـى إذا تـوصـل إلـى تـعـريـف الـحـوادث بـمـقـاديـر الـقـابـلـة لـلـقـيـاس، أصـبـح مـعـنـى الـتـابـع أحـسـن دلالـة عـلـى نـسـب الـعـنـاصـر و تـعـلـقـهـا بـعـضـهـا بـبـعـض “.
و هـذا كـالـتـعـبـيـر عـن قـانـون سـقـوط الأجـسـام بـتـابـع ريـاضـي عـلـى الـنـحـو :
1/2 ح ز2 .

4 – الـحـتـمـيّـة و الـلاّحـتـمـيـّة :

رأيـنـا أن الـحـتـمـيـّة تـعـنـي وجـود نـظـام ثـابـت تـخضـع لـه جـمـيـع الـظـواهـر، بـحـيـث أن نـفـس الـشـروط تـولـد نـفـس الـنـتـائـج، فـالـحـتـمـيـّة تـعـنـي خـاصـيـة الاضـطرار بـمـعـنـى تـوفـر نـفـس الـظـروف تـتـولـد عـنـهـا نـفـس الـحـوادث. و الـحـتـمـيـّة هـي إحـدى مـسـلـّمـات الـعـلـم، إنـهـا شـرط وجـوده قـال ( هـنـري بـوانـكـاري ) : “الـعـلـم حـتـمـي و ذلـك شـرط بـالـبـداهـة، و هـو يـضـع الـحـتـمـيّـة مـوضـع الـبـديـهـيـّات، لأنـه لـولا هـي لـمـا أمـكـن أن يـكـون “.
الـفـيـزيـائـي يـفـهـم الـحـتـمـيـّة بـأنـهـا إمـكـان تـوقـع الـحـوادث تـوقـعـا دقـيـقـا، أي انـتـظـار حـصـولـهـا فـي مـكـان مـعـيـن و فـي زمـان مـعـيـن بـالـضـبــط. فـإذا أمـكـنـه مـعـرفـة مـوقـع جـسـم مـتـحـرك وسـرعـتـه الابـتـدائـيـتـيـن أمـكـنـه الاطـلاع عـلـى مـوقـعـه وسـرعـتـه بـالـضـبـط بـعـد مـرور مـدة مـن الـزمـن . و إذا كـانـت فـكـرة الـحـتـمـيـّة متـبـايـنـة فـي الـمـاكـروفـيـزيـاء فـهـل كـذلـك فـي الـمـيـكـروفـيـزيـاء ؟ وهـل الـتـنـبـؤ يـبـقى دقـيـقا إذاً نزلـت إلـى جـزيـئـيـات الـعـالـم الأصـغـر ؟
كـانـت الـفـكـرة فـكـرة فـلـسـفـيـة مـنـذ ديـمـقـريـطـس 420 ق م وأصـبـحـت حـقـيـقـة عـلـمـيـة بـتـجـارب ( جـون دالـتـون Dalton ) فـمـنـذ ظـهـوره أصـبـح تـاريـخ الـذرة يـسـيـر فـي طـريـقـه مـحـقـّقـا نـصـراً بـعد نـصـر. فـسـّر الـسـلـوك الـحـراري والـكـهـربـائـي تـفـسـيـرا ذريـا.و بـتـواصـل الأبـحـاث أصـبـحـت الـذرة جـسـمـا مـركـبـا، فـوضـع الـعـالـم الإنـجـلـيـزي (روتـر فـورد ) ( Rutherford ) الـنـمـوذج الـكـوكـبـي لـلـذرة بـمـقـتـضـاهـا تـكـون مـؤلـفـة مـن الـنـواة يـدور حـولـها عـدد معـيـن من الإلـكـتـرونات وكـأنـها كـوكـب تـسـير في مـداراتـها.
و بـتـطـور الأبـحـاث وضـع ( شـرودنجـر Shrodinger ) بـالاعـتـمـاد عـــلـى آراء ( دي بـروقـلـي De Broglie ) مـعـادلـة تـفـاضـلـيـة أصـبـحـت الأسـاس الـرّيـاضـي لـلـنـظـريـة الـحـديـثـة فـي الـكـم ( الـكـوانـتـوم )، و هـي نـظـريـة يـطـلـق عـلـيـهـا إسـم مـيـكـانـيـكـا الـكـوانـتـوم، والـكـوانـتـوم هـو ذرة الـطـاقـة، فـالـطـاقـة مـؤلـفـة مـن وحـدات أولـيـة هـي الـكـمـات Quanta حـيـثـمـا تـنـتـقـل الـطـاقـة أو تـسـتـوعـب يـنـتـقـل كـوانـتـوم واحد أو أكـثـر لـكـن لا يـكـون هـنـاك أبـدا جـزء أو كـسـر مـن الـكـوانتـوم، و ( دي بـروقـلـي ) وضـع نـظـريـة ريـاضـيـة يـكـون فـيـهـا كـل جـزء صـغـيـر مـن الـمـادة مـقـتـرنـا بـمـوجـة وهـكـذا أصـبـحـت الـمـادة مـؤلـفـة مـن مـوجـات وجـسـيـمـات فـي آن واحـد. ووصـل (بـورن) إلـى أن الـمـوجـات لا تـكـون أي شـيء حـادي عـلـى الإطـلاق، و إنـمـا تـمـثـل احـتـمـالات، و بـالاعـتـبـار عـلـى أبـحـاث هـذا الأخـيـر بـيـّن (هـيـزنـبـرغ) أن هـنـاك قـدراً مـحـددا مـن الـلاّتـحـديـد فـيـمـا يـتـعـلـق بـالـتـنـبـؤ بـمـسـارالـجـزيء مـمـا يـجـعـل مـن الـمـسـتـحـيـل الـتـنـبـؤ بـهـذا الـمـسـار بـدقـة و هـي نـتـيـجـة صـاغـهـا فـي مـبـدئـه الـمـعـروف بـمـبـدإ الـلاّتـحـديـد أو الـلاّحـتـمـيـّة، وبـفـضل كـشـوف (بورن ) و(هـيـنـزنـبـرغ ).
إنـتـقـلـت الـمـيـكـروفـيـزيـاء مـن الـتـفـسـيـر الـسـبـبـي لـلـعـالـم الأصـغـر إلـى تـفـسـيـر إحـصـائـي، بـل يـخـضـع لـقـانـون احتـمـالـي فـحـسـب و اسـتـُغـنـي عـن فـكـرة “إذا كـان كـذا . . . سـيـحـدث حـتـمـا كـذا” الـتـي عـرفـتـهـا الـفـيـزيـاء الـكـلاسـيـكـيـّة بـفـكـرة “إذا كـان سـيـحـدث كـذا بـنـسـبـة مـئـويـة مـعـيـنـة”.
كـمـا عـّبـر ( هـانـز ريـشـنـبـاخ ).

5 – حـدود الـتـّجـربـة فـي الـبـيـولـوجـيـا :

لـم يـحـتـل الـتـّجـريـب الـمـكـان الأول فـي طـريـقـة عـلـم الـحـيـاة إلاّ فـي الـنـصـف الـثـانـي مـن الـقـرن الـتـاسـع عـشـر نـظـرا لـتـعـقـد بـنـيـة الـكـائـن الـحـي، الـظـواهـر الـحـيـويـة مـعـقـدة و مـتـشـابـكـة أكـثـر مـن الـظـواهـر الـفـيـزيـائـيـة و الـكـيـمـيـائـيـة. الـعـضـو لـيـس مـسـتـقـلا عـن الـبـدن، إنـه يـؤثـر و يـتـأثـر بـجـمـيـع الأعـضـاء الأخـرى. قـال كـوفـيـه :
إن جـمـيـع أقـسـام الـجـسـم الـحـي مـتـصـلـة بـعـضـهـا بـبـعـض، لا تـعـمـل إلا مـجـتـمـعـة ومـن فـصـل إحـداهـا عـن الـمـجـمـوع فـقـد أدخـلـه فـي زمـرة الأشـيـاء الـمـيـّتـة و بـدل مـاهـيـتـه تـبـديـلا تـامّـاً “. وعـلاوة عـلـى ذلـك وجـود الـذات الـبـيـولـوجـيّـة، إذ لـكـل فـرد فـصـيـلـتـه الـدمـويـة، وتـركـيـبـها الـغـددي و تـركـيـبـه الـجـيـنـي ( الـمـورّثـات )
و ذلـك بـعـامـل الـتـفـاعـل بـيـن الـوراثـة و الـبـيـئـة. إن تـحـقـيـن الـهـيـمـوغـلـوبـيـن أو الألـبـومـيـن إلـى أرانـب مـن نـوع واحـد لا يـحـدث نـفـس الـتـفـاعـلات فـي عـضـويـتـهـم ورغـم هـذه الـصـّعاب، تـوصـل الـــعـلـمـاء إلـى إخـضـاع الـمـادة الـحـيـة لـلـتـّجـريـب، وتـعـتـبـر تـجـارب ( كـلـود بـيـرنـار ) لـمـعـرفـة تـأثـيـر الـكـورار و وظـائـف الـكـبـد والـذخـائـر الـغـذائـيـة أحـسـن بـرهـان عـلـى نـجـاح الـتـّجـريـب فـي عـلـم الـحـيـاة.الـتـّجـريـب فـي مـجـال الـبـيـولـوجـيـا يـسـتـوجـب الـحـيـطـة والـحـذر أكـثـر مـن والـتـّجـريـب فـي مـجـال الـعـلـوم الـفـيـزيـائـيـة والـكـيـمـيـائـيـة. فـهـنـاك فـرق بـيـن الـمـركـبـات الـعـضـويـة الـمـجـتـمـعـة و الـعـنـاصـر الـفـيـزيـائـيـة الـمـنـفـصـلـة، إذ لـكـل عـضـو مـن أعـضـاء الـجـسـم الـحـي وظـائـف مـخـتـلـفـة، و عـلـة الـظـاهـرة الـحـيـويـة تـشـتـمـل عـلـى عـدة شـروط، لا عـلى شـرط واحـد، والـتـّجـريب في الـبـيـولـوجـيـا عـلـى ثـلاثـة أشـكـال :

تـجـارب الـتـهـديـم :
عـلـى الـرغـم مـن بـسـاطـتـه و كـثـرة اسـتـخـدامـه يـجـب عـلـى الـعالـم أن يـنـتـبـه إلـى الـخـلـل الـذي يـولـّده نـزع الـعـضـو و الـخـلـل الـمـتـولـّد مـن تـبـدّل الـتـوازن الـعـضـوي.
إن اسـتـئـصـال غـدة مـن الـغـدد يـجـعـلـنـا نـلاحـظ الـخـلـل الـوظـيـفـي الذي أعقب اسـتـئـصالـهـا، ولـيس من الـهـيـّن مـعـرفـة وظـيـفـتـهـا بالضـبط.

تـجـريـب مـشـتـمـل عـلـى تـغـيـيـر نـظـام الـغـذاء :
الـغـذاء وسـيـلـة تـأثـيـر فـي الـكـائـن الـحـي، فـ ( كـلـود بـيـرنـــار ) تـوصـل إلـى الـمـعـرفـة الـذخـائـر الـغـذائـيـة حـيـنـمـا لاحـظ أن آكـلـة الـحـشـائـش الـصـائـمـة تـغدو آكـلـة الـحـوم، أي أنـهـا تـتـغـذّى بـلـحـمـهـا، وتـبـيـّن لـه ذلـك فـي تـغـيّـربـولـهـا. و يـمـكـن اتـبـاع طـريـقـة الـتـحـقـيـن كـمـثـل تـحـقـيـن دم الـحـيـوان بـقـلـيـل مـن الـسـّكـر لـتـهـيـئـة أسـبـاب الـداء الـسـكـري.
يـجـب على الـعـالـم هـنـا وضـع مـسـلـّمـة و هـي أن هـذا الـتـّجـريـب لا يـؤثـر في عـضـو واحـد، بـل يـحـدث تـفـاعـلا عـامـا في مجـمـوع الـعـضـويـة.

الـتـّجـريـب الـمـشـتـمـل عـلـى تـغـيـيـر شـروط الـبـيـئـة :
تـغـيـيـر شـرائـط الـبـيـئـة الـتـي يـعـيـش فـيـهـا الـحـي مـع الاحـتـفـاظ بـنـظـامـه الـعـادي و غـذائـه الـطـبـيـعـي طـريـقـة يـسـلـكـهـا عـلـمـاء الأحـيـاء فـي اخـتـيـار فـروضـهـم، إذ يـضـعـون الـكـائـن الـحـي فـي وضـع بـيـئـي جـديـد، كـتـغـيـيـر الـحـرارة والـضـغـط و الـضـوء و الـرطـوبـة، ثـم يـلاحـظـون الـتـبـدّلات فـيـه نـتـيـجـة تـأثـيـر هـذه الـعـوامـل، كـالاسـتـدلال عـلـى صـحـة نـظـريـة الـتـبـدّل. و الـعـالـم فـي مـثـل هـذا الـتـّجـريـب، يـواجـه صـعـوبـة فـي عـزل الـتـبـدّل الـنـاتـج عـن شـروط الـبـيـئـة، الـتـبـدّلات والـنـاتـجـة عـن الـبـيـئـة ذاتـهـا، خـاصـة و إن تـأثـيـر الـبـيـئـة لازال مـحـاطـا بـكـثـيـر مـن الأسـرار.
فـلا شـك مـن أن الـتـّجـريـب فـي عـلـوم الأحـيـاء لا يـمـكـنـه مـحـاكـاة الـتـّجـريـب فـي الـعـلـوم الـطـّبـيـعـيـة نـظـراً لـحـواجـز مـن أبـرزهـا :

1 – استحالة الـتـّركـيب الـتـّجـريـبـي فـي عـلـوم الأحياء :

طـريـقـة تـحـلـيـل و تـركـيـب الـمـادة واسـعـة الاسـتـعـمـال فـي الـعـلـوم الـفـيـزيـائـيـة والـكـيـمـيـائـيـة، و لـكـن فـي مـيـدان الأحـيـاء، فـإنـنـا لا نـسـتـطـيـع الـتـّركـيـب إذ يـسـتـحـيـل تـركـيـب الـخـلـيـة لأن الـبـروتـيـنـات تـتـأثـر بـالـعـوامـل الـفـيـزيـائـيـة والـكـيـمـيـائـيـة، فـتـبـدلـهـا مـن مـادة حـيـة إلـى مـادة جـامـدة. قـال ( لـوكـونـت دونـوي ) : “لـمـا طـبـقـت الـكـيـمـيـاء طـرائـقـهـا فـي تـحـلـيـل الـبـروتـيـنـات- وهـي الـعـنـاصـر الأولـى فـي الـمـادة الـحـيـّة- قـتـلـتـْهـا، فـكـمـا لا يـسـتـطـيـع الـحـداد الـذي كـسـر الـفـونـوغـراف بـمـطـرقـتـه أن يـؤلـفـه مـن عـنـاصـره، كـذلـك لا يـسـتـطـيـع الـعـالـم الـذي حـلـّل الـمـادة الـحـيـّة أن يـركـبـهـا بـجـمـع عـنـاصـرهـا الـمـشـوّهـة الـتـي أفـسـدتـهـا عـقـاقـيـر الـكـيـمـيـاء “. وحـتـّى و إن كـان عـلـمـاء الأحـيـاء يـسـلـكـون طـريـقـة الـتـّركـيـب الاصـطـنـاعـي مـثـلـمـا هـو الـحـال فـي الـهـضـم الاصـطـنـاعـي، و ذلـك بـوضـع الـغـذاء فـي إنـاء ذي حـرارة مـعـيـّنـة ثـم صـبُُّ بـعـض الـمـواد فـوقـه، فـيـتـبـدل كـمـا يـتـبـدل فـي الـمـعـدة والأمـعـاء، فـإنـه لـيـس كـالـهـضـم الـطـبـيـعـي.

2 – اسـتـحـالـة تـكـرار الـتـّجـربـة :

الـعـالـم الـفـيـزيـائـي أو الـكـيـمـيـائـي بـإمـكـانـه تـكـرار تـجـربـتـه فـي الـشـيء الـواحـد عـدة مـرات، أمـا عـالـم الأحـيـاء فـيـجـد نـفـسـه أمـام كـائـن حـي يـتـأثـر و تـأثـره هـذا يـخـتـلـف كـلـمـا كـررنـا الـتـّجـربـة، فـحـيـنـمـا نـقـدم لـلـحـيـوان غـذاء جـديـدا عـلـيـه لـلـمـرة الأولـى، ثـم نـقـدمـه لـه لـلـمـرة الـثـانـيـة فـإنـنـا لانـتـحـصـل عـلـى نـفـس الـنـتـائـج، فـإمّـا أن يـتـأثـر فـي الـمـرة الأولـى ثـم لا يـتـأثـر فـي الـمـرة الـثـانـيـة، و إمـّا أن لا يـتـأثـر فـي الأولـى ثـم يـصـبـح أكـثـر مـيـلا إلـى الاحـسـاس بـذلـك الـغـذاء فـي الـمـرة الـثـانـيـة. فـإذا حُـقـن الـحـيـوان بـسـنـتـمـتـر مـكـعـب مـن الـمـصـل لا يـحـدث فـي جـسـمـه أي رد فـعـل فـي الـمـرة الأولـى، و لـكـن فـي الـمـرة الـثـانـيـة يـحـدث تـأثـيـراعـظـيـمـا، أو حـتـى صـدمـة كـبـيـرة، و فـي الـمـرة الـثـالـثـة قـد يـمـوت الـحـيـوان و هـذا مـا يـسـمـّيـه (ريـشـه) بـفـرط الـتـأثـيـر أو الـتـأق ( أنـا فـيـلا كـسـيـا ) و هـــي عــــكـس الـــوقـايـة أو (الـبـروفـيـلا كـسـيـا )، وأمـام هـذا لايـسـتـطـيـع الـعـالـم إعـادة الـكـائـن الـحـي إلـى حـالـتـه الأولـى. فـالـتـّجـريـب فـي مـيـدان عـلـوم الأحـيـاء يـبـقـى وسـيـلـة ضـروريـة، و الـرّوح الـعـلـمـيـّة يـجـب أن تـضـع كـل هـذه الـصـعـاب فـي الـحـسـبـان.

6 – إشكـالـيّـة الآلـيّـة و الـغـائـيـّة فـي الـبـيـولوجيا :


يـتـمـيـع الـكـائـن الـحـي بـفـرديـة إنـه ” كـلّ ” لا يـتـجـزأ، حـيـث أن كـل عـضـو مـن أعـضـائـه يـقـوم بـوظـيـفـة تـخـتـلـف عـن وظـيـفـة الـعـضـو الآخـر و فـي نـفـس الـوقـت تـكـمـلـهـا. إنـنـا لا نـبـصـر بـالـعـيـن فـقـط، و لا نـمـشـي بـالـرجـلـيـن فـقـط، كـل الأعـضـاء تـسـاهـم فـي الإبـصـار و كـلـهـا تـسـاهـم فـي الـمـشـي. هـذا الـتـداخـل بـيـن وظـائـف أعـضـاء الـكـائـن الـحـي يـطـرح إشـكالـيـة فـي عـلـوم الأحـيـاء. فـهـل نـعـتـمـد عـلـى الأسـبـاب الـفـاعـلة أم على الأسـبـاب الـغـائـيّـة لـفـهـم الـكـائـنـات الـحـيـّة ؟.
فـهـل الـوظـيـفـة ولـّدهـا الـعـضـو أم هـي الـتـي اسـتـوجـبـت وجـوده ؟ فـهـل الـمـعـدة، بـإعـتـبـارهـا مـحـتـويـة عـلـى عـصـارات هـضـمـيـة تـتـركـب مـن مـواد كـيـمـيـائـيـة تـحـلـل الـغـذاء إلـى قـابـلـة لـلامـتـصـاص، فـيـنـقـلـهـا الـدم و يـوزعـهـا عـلـى الـخـلايـا، أم هـذه الـمـعـدة أوجـدتـهـا غـايـة سـابـقـة عـلـيـهـا اقـتـضـتـهـا و هـي الـهـضـم ؟ هـذا الـطـرح قـسـم الـمـفـكـريـن فـريـقـيـن :

الـمـذهـب الـغـائـي :
يـرى الـغـائـيـون أنـه لا يـمـكـن فـهـم الـكـائـنـات الـحـيـّة إلاّ بـالـتـفـسـيـر الـغـائـي إذ أن غـايـة الـبـقـاء و الاسـتـمـراريـة تـخـص كـل كـائـن حـي وحـده ولا تـتـجـاوزه، إنـهـا غـائـيـة داخـلـيـة، الأعـضـاء هـي وسـائـل و غـايـات فـي نـفـس الـوقـت، فـالإبـصـار أوجـد الـعـيـن، و الـمـشـي أوجـد الـرجـلـيـن، والإبـصـار ضـروري لـلـمـشـي، و الـهـضـم أوجـد الـمـعـدة، و هـكـذا إلـى أن نـصـل إلـى غـايـة الانـسـجـام الـمـتـمـثـل فـي حـفـظ حـيـاة الـكـائـن الـعـضـوي. و هـنـاك غـايـة خـارجـيـة لـهـذا الـكـائـن كـذلـك، فـكـأن الـعـشـب خـلـق لأجـل آكـلات الـعـشـب و كـأن آكـلات الـعـشـب وجـدت لآكـلات الـلـحـوم. إنـه لـيـس مـن الـمـصـادفـة أن يـكـون لـلـعـصـفـور جـسـمـا انـسـيـابـيـا مـكـتـسـيـا بـريـش، جـنـاحـيـن و عـظـامـا مـجـوّفـة و أكـيـاسـا هـوائـيـة إلـى غـيـر ذلـك، فـلا يـمـكـن فـهـم هـذا الـكـائـن دون الاسـتـنـاد إلـى غـايـة الـطـيـران، يـرى ( لاشـولـيـِي Lachelieu 1832 – 1918 ) أن الـطـّبـيـعـة يـسـودهـا نـظام مـنـسـجـم و مـحـكـم مـتـمـثـل فـي أن الـغـايـة الـكـلـيـة سـبـقـت وعـيـنـت الأجـزاء الـحـيـّة و تـكـامـل أعـضـائـهـا و وظـائـفـهـا، فـلا يـمـكـن فـهـم الـطـّبـيـعـة دون وضـع الـحـسـاب لـهـذه الـغـايـات.

الـمـذهـب الآلـي :
يـرى الآلـيـون أن الـكـائـنـات الـحـيـّة تـتـمـتّـع بـطّـبـيـعـة فـيـزيـائـيـة كـيـمـيـائـيـة عـلـى درجـة كـبـرى مـن الـتـعـقـيـد فـهـي آلات بـيـولـوجـيـة تـحـكـمـهـا نـفـس الـقـوانـيـن الـتـي تـحـكـم بـقـيـة الـظـواهـر الـطـّبـيـعـيـة، قـال ( كـلـود بـيـرنـار) : ” إنّ الـحـيـاةَ هـي الـمـوتُ ” مـشـيـراً بـذلـك إلـى أن تـعـلـيـل الـحـيـاة لا يـحـتـاج إلـى قـوانـيـن غـيـر الـتـي نـعـلـل بـهـا ظـواهـر الـمـادة الـجـامـدة.
إن الـتـفـاعـلات الـتـي تـحـدث فـي الـمـخـبـر هـي ذاتـهـا الـتـي فـي الـمـعـدة، والـدورة الـدمـويـة لـيـسـت سـوى عـمـلـيـة مـيـكـانـيـكـيـة تـخـضـع لـنـفـس قـوانـيـن الـمـيـكـانـيـك. لـنـأخـذ الـمـدفـأة ذات الاشـتـعـال الآلـي، كـلـمـا نـقـُصـت درجـة حـرارة الـمـنـزل كـلـمـا زاد الاشـتـعـال، و كـلـمـا ارتـفـعـت درجـة الـحـرارة فـي الـمـنـزل نـقـص الاشـتـعـال، و بـذلـك يـبـقـى الـمـنـزل عـلـى درجـة مـضـبـوطـة، و كـذلـك يـحـتـفـظ الـجـسـم بـدرجـة حـرارتـه الـداخـلـيـة بـواسـطـة زيـادة أو نـقـص عـمـلـيـة الأكـسـدة. إن تـفـسـيـر الـظـواهـر الـحـيـّة بالـغـايـات والـمـقـاصـد يـدفـعـهـا إلـى إقـتـحـام اعـتـبـارات مـيـتـافـيـزيـقـيـة لا شـأن لـلـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة بـهـا، فـحـيـنـمـا نـطـرح الـسـؤال : “مـا هـذه الـغـايـات ؟ ” ” مـن قـَاصـِدُ الـغـايـات ؟ “. نـخـرج مـن الـتـفـسـيـر الـوضـعـي الـعـلـمـي إلـى تـأمـلات فـلـسـفـيـة فـي مـوضـوع مـيـتـافـيـزيـقـي.
بـالأضـافـة إلـى ذلـك يـعـتـبـر الـتـفـسـيـر الـغـائـي مـن الـنـاحـيـة الـعـمـلـيـّة و الـعـلـمـيـّة، فـالـطـبـيـب لا يـبـحـث عـن الـغـايـات بـل يـعـتـمـد عـلـى الأسـبـاب، الـمـعـدة تـهـضـم نـظـرا لاحـتـوائـهـا عـلـى عـصـارات مـفـرزة لـمـواد كـيـمـيـائـيـة. إن انـدفـاع بـرغـوث الـمـاء نـحـو الـنـور كـان يـفـسـر تـفـسـيـرا غـائـيـا، لـكـن الـبـحـث الـعـلـمـي أثـبـتَ آلـيـة هـذا الانـدفـاع، إنـه راجـع لـتـأثـيـر الأشـعـة فـي جـلـد هـذا الـكائـن، و أن هـذا الانـدفـاع يـزداد قـوة كـلـمـا زادت شـدّة الـنـور.

7 – أسـئـلـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :

– اشـرح قـول كـلـود بـيـرنـار الآتـي : ” إن الـطـريـقـة الـتـّجـريـبـيـة تـسـتـنـد إلـى الـشـعـور و الـعـقـل و الـتـّجـربـة “.
– مـا مـعـنـى الـقـانـون فـي الاصـطـلاح الـعـلـمـي ؟
– اذكـر وجـوه الاخـتـلاف بـيـن الـعـلـوم الـفـيـزيـائـيـة و الـعـلوم الـبـيـولوجية ؟
– قـال فـؤاد زكـريـا فـي كـتـابـه “الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي” :
و لـكـنـا إذا شـئـنـا أن نـكـون مـتـسـقـيـن مـع أنـفـسـنـا، و إذا أردنـا أن نـتـجـاوز مـرحـلـة اجـتـيـاز الـمـاضـي و الـتـّغـنـّي بـأمـجـاد الأجـداد و إذا شـئـنـا ألاّ نـبـدو أمـام الـعـالـم كـمـا يـبـدو أولـئـك الـذيـن لا رصـيـد لـهـم، فـعـلـيـنـا أن نـحـتـرم الـعـلـم فـي الـحـاضـر مـثـلـمـا إحـتـرمـنـاه فـي الـمـاضـي، يـنـبـغـي أن يـكـون هـدفـا مـن أهـدافـنـا الـتـي نـحـرص عـلـيـهـا فـي الـحـاضـر بـدوره، و أن الـمـعـركـة الـتـي يـشـنـّهـا الـفـكـر الـمـتـخـلـّف عـلـى كـل مـن يـدعـو إلـى الـمـنـهـج الـعـلـمـي فـي الـتـّفـكـيـر، سـتـقـف عـائـقـا فـي وجـه جـهـودنـا مـن أجـل الـلـحـاق بـركـب الـعـصـر، بـل سـتـلـقـى ضـلالا مـن الـشـك حـول مـدى إخـلاصـنـا فـي الـتـّغـنـي بـأمـجـاد ابـن حـيـّان و الـخـوارزمـي و ابـن الـهـيـثـم والـبـيـرونـي الـذيـن كـانـوا فـي الـصـف الأول مـن الـعـقـول الـتـي تـفـكـر بـالأسـلـوب الـعـلـمـي فـي عـصـورهـم “.
– أكـتـب مـقـالا فـلـسـفـيـا تـحـلـّل فـيـه هـذا الـنـص.

8 – أجـوبـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :


الـمـقـدمـة :
نـهـضـة أي مـجـتـمـع مـرهـونـة بـمـدى اهـتـمـامـه بـالـعـلـم وبـتـطـبـيـق الأسـلـوب الـعـلـمـي فـي حـل مـشـكـلاتـه، و لا شـك أنـنـا أمـة لـهـا سـبـق فـي هـذا الـشـأن، و رصـيـدنـا الـمـعـرفـي يـبـرهـن عـلـى ذلـك. فـهـل نـحـن مـحـافـظـون عـلـى مـكـانـة الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي مـثـلـمـا حـافـظـنـا عـلـيـهـا بـالأمـس ؟ و هـل نـحـن فـي وعـي تـام بـأنـه لاسـبـيـل إلـى الـتـقـدم والازدهـار مـن غـيـر تـطـبـيـق الـمـنـهـج الـعـلـمـي ؟

الـتـّوسـيـع :
يـرى فـؤاد زكـريـا أن الأمـة الإسـلامـيـة فـي حـاضـرهـا الـراهـن بـحـاجـة مـاسـة إلـى إعـادة الاعـتـبـار لـلـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي و يـعـتـرف ضـمـنـيـا أن الأمـة الإسـلامـيـة لـهـا رصـيـد زاخـر فـي هـذا الـشـأن. فـبـكـلـمـة مـقـتـضـيـة يـمـكـن الـقـول بـأن عـلـمـاء الـمـسـلـمـون ضـربـوا فـي مـخـتـلـف مـيـاديـن الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة والـفـلـسـفـيّـة و الـديـنـيـّة، وهـذا فـي وقـت كـانـت فـيـه أوروبـا تـسـتـحـقـر الـتـّفـكـيـر الـعـلـمـي فـفـي عـهـد قـسـطـنـطـيـن و حـلـفـائـه أغـلـقـت الـدراسـة إلـى الأبـد و أحـرقـت الـمـكـتـبـات الـعـامـة الـتـي أسـّسـهـا الأبـاطـرة، وكـانـت العـلـوم تـعـتـبـر نـوعـا مـن الـسـحـر، و كـلـنـا يـعـرف – عـلـى الأقـل اضـطـهـاد الـكـنـيـسـة لـلـعـلـمـاء.
أمـا فـي الـعـالـم الإسـلامـي، و فـي عـصـره الـذهـبـي، فـقـد أدرك الـمـسـلـمـون عـلـمـاءً وخـلـفـاءً مـا لـلـعـلـم مـن أهـمـيـة.
قـال أبـو الـفـرج الأصـفـهـانـي فـي كـتـاب الأغـانـي عـن الـمـأمـون :
” لـم يـغـفـل عـن أن حـيـاتـهـم كـانـت مـكـرّسـة لـرفـع مـداركـهـم الـعقـلـيـّة و لا عن أن رسل الـحـكـمة هم مـنارات الـوجود و مـشـرعوا الـعـالـم “.
الـطـريـقـة الاسـتـقـرائـيـة الـتـي تـعـتـبـرهـا أوروبـا الـحـديـثـة خـاصـة بـهـا كـانـت مـعـروفـة و مـتـداولـة بـيـن عـلـمـاء الـمـسـلـمـيـن حـيـث أن اطـلـع عـلـمـاء بـغـداد عـلـى طـريـقـة الانـتـقـال مـن الـعـلـوم إلـى الـمـجـهـول، و هـذا فـي مـخـتـلـف مـيـاديـن الـمـعـرفـة.
فـلـنـا فـي تـاريـخ الـفـكـر الإسـلامـي عـبـرة تـرشـدنـا إلـى أهـمـيـة الـمـنـهـج فـأعـلام الـفـقـهـاء تـمـّيـزوا عـن جـمـهـور الـقـضـاة بـأن كـان لـكـل مـنـهـجٍ مـنـهـجٌ رسـمـه لـنـفـسـه
ثـم تـرسـمـه، و أعـلام الـنـحـاة كـذلـك تـمـيـزوا عـن جـمـهـور عـلـمـاء الـنـحـو بـأن كـان لـكـل مـنـهـم مـنـهـج فـي تـحـديـد الـصـّواب والـخـطـإ. وهـكـذا فـي مـيـاديـن أخـرى كـعـلـم الـكـلام و عـلـوم الـكـيـمـيـاء والـرّيـاضـيـات و عـلـوم الـحـديـث و الـفـلـك و غـيـر ذلـك.
يـرى فـؤاد زكـريـا أن الأمـة الإسـلامـيـة يـنـقـصـهـا الـيـوم أن تـنـظـر إلـى أمـورهـا بـمـنـهـج الـعـلـم، و فـي نـظـره لا يـمـكـن تـقـدمـهـا إلاّ بـتـرسـيـخ الإسـلام الـعـلـمـي فـي الـتـّفـكـيـر، لا مـجـرّد الـدعـوة إلـيـه وتـزيـيـن نـتـائـجـه، و إنـمـا بـمـمـارسـتـه بـالـفـعـل.

الـخـاتـمـة :
وجـوب انـتـقـال الأمـة الإسـلامـيـة مـن مـنـطـق الـظـن إلـى مـنـطـق الـيـقـيـن مـن أنـهـا لاتـتـقـدم إلاّ بـانـتـهـاج الأسـلـوب الـعـلـمـي، إنـه ضـروري لـكـنـه غـيـر كـاف، عـلـيـهـا أن تـتـوجـه لـتـقـدم فـلـسـفـي، إن الـعـالـِم الـمـبـدِع و الـفـيـلـسـوف هـمـا الـلـذان يـخـطـِطـان حـيـاةً جـديـدةً ويـرسـمـان مـُثـلا عـلـيـا بـديـعـة لأمـة بـأسـرهـا كـمـا عـبـّر أنـطـوان سـعـادة.
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock