دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الـلـغـة والـتـواصـل في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الـلـغـة والـتـواصـل في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس
تـمـهـيـد
1 – مـفـهـوم الـلّـغـة.
2 – الـلّغـة كـنـسق رمزي – عـلاقـة الـدّال بـالـمـدلـول.
3 – الـدّلالـة وأنـواعـهـا :
أ -الدلالة الـطـبـيـعـيـة. ب -الـدلالـة الـوضـعـيـة. جـ -الـدلالـة الـعـقـلـيـة. د- صـور الـدلالـة.
4 – الـلّـغـة والـفـكـر.
أ – الاتـجاه الـثـنـائـي – ب – الاتـجـاه الـواحـدى. اسـتـنـتـاج.
5 – وظائف اللغة : – من اللـغة الـطـبـيـعية إلى اللـغة المنطقية
أ – اللغـة الـطـبـيـعـيـة الـفـطريـة – ب – اللـغة المـنـطـقـية.
6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.
7 – أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي.


تـمـهـيـد :
يـعـتـبـر الإنـسـان الـبـدائـي أول مـن أوجـد الـصـيـغـة الـلـغـويـة فـي تـعـامـلـة مـع الـمـحـيـط الـبـسـيـط، الـذي يـتـمـيّـز بـبـعـض الـعـلاقـات الاجـتـمـاعـيـة الـسـائـدة فـي ذلـك الـوقـت فـالـلّـغـة الـنـاتـجـة عـن الـتـفـاعـل بـيـن الإنـسـان الـبـدائـي والـطـبـيـعـة الـعـذراء لـغـة تـمـتـاز بـالـبـسـاطـه، وتـعـبـر عـن مـفـاهـيـم مـتـمـيّـزة عـن الأشـيـاء الـتـي تـعـبّـر عـنـهـا، وهـنـا تَـكْـمُـنُ عـمـلـيـة الـتـجـريـد، الـتـي تـخـتـص الإنـسـان، دون غـيـره مـن الـكـائـنـات الـحـيـة بـهـذه الـمـلـكـة الـتـصـوريـة الـتـي هـي أسـاس وظـائـف عـمـلـيـات خـلـق الـمـفـاهـيـم، ومـن هـنـا يـكـون إطـلاق كـلـمـة ” لـغـة ” عـنـد حـديـثـنـا عـن الـحـيـوان اسـتـعـمـالا فـي غـيـر مـحـلـة لـمـا فـيـه مـن الـتـجـاوز والـمـبـالـغـة، لأنـه مـن الـمـسـتـحـيـل إثـبـات وجـود خـصـائـص الـلـّـغـة الإنـسـانـيـة عـنـد الـحـيـوان، إذن الـلـغـة تـتـطـور بـتـطـور الـواقـع أن كـلّ شـعـب إنـمـا يـحـلّـل الواقع من خلال الـلّـغـة الـتـي يـنــطـق بـهـا، وعـلـى هذا فالـشـعـب يـرث خـبـرات وتـجـارب سابقـيـه ويتـرك بـدوره لـلأجـيـال الـلاّحـقـة أسـالـيـب وطرقًـا في كـيـفـيـة الـتـعـامل والـنـظر إلى الـوجـود.
إنّ الـلّـغـة مـهـمـا كـانـت لا تـشـكّـل كـيـانًـا مـسـتـقـلاً بـذاتـه، وإنـمـا هـي عـمـلـيـة لـلـتـبـلـيـغ والـتّـواصـل مـمـكـنة نـظـريًـا وعـمـلـيًـا، وخـيـر دلـيـل عـلـى ذلـك عـمـلـيـة الـتـرجـمـة.
عن كتـاب علـم النـفـس الـلّـغـوي لـلـدكـتـور حـنـفـي بـن عـيـسـى (بـتـصرف )

1 – تـعـريـف الـلّـغـة :
يـعـرّفـهـا ” لاَلاَنـد Lalande ” بـقـولـه : ” كـلّ نـسـق مـن الإشـارات يـمـكـن أن يـسـتـعـمـل لـلـتّـواصـل “.
ويـمـكـن أن نـعـطـي الـلـّغـة تـعـريـفًـا آخـر مـنـقـول : ” إنـهـا تـلـك الـقـابـلـيـة الـتـي يـتـوفـر عـلـيـهـا الإنـسـان لاخـتـراع واسـتـخـدام الـرمـوز بـكـيـفـيّـة مـتـعـدّدة “. وبـهـذا الـمـعـنـى تـكـون الـلّـغـة خـاصـة بـالإنـسـان دون غـيـره مـن الـكـائـنـات الأخـرى.

2 – الـلّـغـة كـنـسـق رمـزي :
يـعـبّـر الـحـيـوان عـن انـشـغـالاتـه بـواسـطـة الأصـوات، غـيـر أنّ هـذه الأصـوات والإشـارات الـتـي يـسـتـخـدمـهـا الـحـيـوان تـبـقـى مـرتـبـطـة ارتـبـاطـا وثـيـقـا بـالـمـوضـوع الـذي تـعـبـر عـنـه، فـي حـيـن تـعـبـر الـلـغـة الإنـسـانـيـة عـن مـواقـف مـتـعـدّدة ومـخـتـلـفـة، لأنـهـا رمـوز مـكـتـسـبـة، اتـفـقـت عـلـيـهـا الـجـمـاعـة وأصـبـحـت مـرتـبـطـة بحـيـاتـها وبـطـريـقـتـهـا فـي الـتـفـكـيـر، يـقـول ” بـرغـسـون Bergson “.
1859 – 1941 ” إن الـرمـز الـغـريـزي يـتـمـيـز بـالـتـمـاسـك فـي حـيـن يـتـمـيـز الـرمـز الـذكـي بـنـوع مـن الـحـركـيـة ” والـلّـغـة لا تـعـنـي الـكـلام كـمـا هـو شـائـع لـدى الـعـامـة، لأن الـكـلام صـفـة لـلـفـعـل وهـو إنـتـاج أصـوات لـهـا مـعـنـى، أمـا الـلّـغـة فـهـي بـنـاء مـن الـمـعـرفـة مـتـمـثـل فـي الأذهـان، ولـذلـك عـرفـهـا ” لالانـد ” 1867 – 1963 بـقـولـه : “هي كـلّ نـسـق رمـزي مـن الإشـارات، يـمـكـن أن يـسـتـعـمـل لـلـتـواصـل “.
هـذا الـتـعـريـف رغـم اتـسـاعـه وشـمـولـيـتـه حـتـى لـلـغـة الـحـيـوان إلاّ أنّـه يـؤكـد أن الـلّـغـة مـنـظـومـة مـن الإشـارات والـرمـوز الـتـي يـسـتـخـدمـهـا الإنـسـان لـلـتـعـبـيـر عـن أغـراضــه، وتـحـقـيـق الـتـواصـل بـيـنـه وبـيـن غـيـره مـن الأفـراد.
ولـكـن مـاهـي عـلاقـة الـدال بـالـمـدلـول ؟
أو عـلاقـة الـلــفـظ بـالـمـعـنـى ؟

عـلاقـة الـدّال بـالـمـدلـول :
اعـتـقد بـعض الـمـفكـريـن أن الـتـلازم الـقـائـم بـيـن الـلـفـظ والـمـعـنـى تلازم طـبـيـعـي مـعـتـمـديـن في ذلك على تلـك الألـفـاظ الـمـحـاكـيـة لـلـطـبـيـعـة.
لـكـن عـالـم الـلـغـة الـسـويـسـرى ” فـرد يـنـانـد دوسـوسـيـر F. De Saussure، نـفـى أن يـكـون هـنـاك أي تـلازم ذاتـي بـيـن الـلـفـظ والـمـعـنـى، إذ أنـنـا لانـجـد أيـة عـلاقـة بـيـن الـعـنـاصـر الـصـوتـيـة لـكـلـمـات ومـعـانـيـهـا، فـكـلـمـة ” أب ” لـيـس فـيـهـا مـا يـدل مـبـاشـرة وبـصـفـة طـبـيـعـيـة عـلـى مـعـنـى ” الأب ” بـل مـعـنـاهـا يـظـهـر مـن خـلال الـعـلاقـات الـمـخـتـلـفـة الـمـوجـودة بـيـن مـدلـول هـذه الـكـلـمـة ومدلـولات أخرى مرتـبـطـة بـهـا مـثـل مـدلـولات : الأم – الأخ – الأخـت – البـنت.
وهـذا مـعـنـاه أن الـعـلاقـة بـيـن الـدال والـمـدلـول لـيـسـت عـلاقـة طـبـيـعـيـة، بـل هـي عـلاقـة تـحـكـمـيـة مـصـطـنـعـة أو جـدهـا الإنـسـان بـالـتـواضـع والاخـتـيـار وصـارت بـحـكـم الـتـكـرار والـتـعـوّد تـبـدو وكـأنـهـا طـبـيـعـيـة.

3- الـدّلالـة وأنـواعـهـا :
1 – الـدلالـة الـطـبـيـعـيـة :
وهـي دلالـة الأشـيـاء الـمـوجـودة فـي الـطـبـيـعـة، والـتـي لاعـلاقـة لـهـا بـالإنـسـان فـالـدخـان دلالـة عـلـى وجـود الـنـار، ويـنـطـبـق هـذا كـذلـك عـلـى مـخـتـلـف الأثـار الإنـسـانـيـة الـتـي خـلـقـهـا الانـسـان أو الـحـيـوان وكـذلـك حـالات الـطـقـس، كـل هـذه دلالات لـم يـصـنـعـهـا، والـعـلاقـة بـيـن الـدال والـمـدلـول فـي هـذه الـحـالـة ضـرورة حـتـمـيـة.
2 – الـدلالـة الـوضـعـيـة :
وهـي تـلـك الـدلالات الـتـي وضـعـهـا الـنـاس، واصـطـلـحـوا عـلـيـهـا فـيـمـا بـيـنـهـم، وقـد تـنـاول الـلـغـويـون أصـل الـدلالـة والـعـلاقـة بـيـن الـدال والـمـدلـول، واتـفـقـوا عـلـى أن الـلـغـة ذات دلالـة وضـعـيـة.
3 – الـدلالـةالـعـقـلـيـة :
وتـعـنـي أن الارتـبـاط بـيـن الـدال والـمـدلـول هـو ارتـبـاط عـقـلـي. فـالـلـفـظ يـكـون دالاً والـمـعـنـى مـدلـولا، ويـتـم هـذا الارتـبـاط وفـق صـور وهـي :

1 – دلالـة الـمـطـابـقـة :
وهـي دلالـة الـلّـفـظ عـلـى تـمـام الـمـعـنـى، كـدلالـة لـفـظ ” إنـسـان ” عـلـى تـمـام مـعـنـى الإنـسـان وهـو الـحـيـون الـنـاطـق.
2 – دلالـة الـتـضـمـن :
وهـي تـشـيـر إلـى دلالـة الـلـفـظ عـلـى جـزء مـن أجـزاء الـمـعـنـى، كـدلالـة لـفـظ الإنـسـان لـلـفـظ الـحـيـوان.
3 – دلالـة الالـتـزام :
وهـي دلالـة الـلـفـظ عـلـى مـعـنـى آخـر مـلازم لـه كـدلالـة ” الـسـقـف ” عـلـى الـجـدران، ذلـك أن الـحـديـث عـن ( الـسـقـف ) يـسـتـلـزم الـجـدران، حـيـث لا نـسـتـطـيـع تـصـور ” الـسـقـف ” بـدون جـدران، يـقـوم عـلـيـهـا هـذا الـسـقـف.

4 – الـلّـغـة والـفـكـر :
إن عـلاقـة الـلـغـة بـالـفـكـر هـي عـلاقـة تـبـدو واضـحـة فـي هـذا الـعـصـر، فـالـلـغـة كـمـا يـرى الـمـنـاطـقـة أداة الـفـكـر ووسـيـلـتـه، وهـذا يـعـنـي أن زوال الـلـغـة يـعـنـي زوال الـفـكـر أو عـلـى الأقـل تـردّيـه إلـى الـدرجـات الـدنـيـا، فـإذا كـانـت سـعـة الـلـغـة ودقـتـهـا دلـيـل عـلـى سـعـة الـفـكـر وغـنـاه ودقـتـه، فـإن الإشـكـال الـذي يـطـرح نـفـسـه هـو : أيّـهـمـا أسـبـق الـفـكـر أم الـلّـغـة ؟

أ – الاتـجـاه الـثـنـائـي :
يـذهـب الـحـدسـيـون ” بـرغـسـون ” إلـى الـقـول أن الـفـكـر مـتـقـدم عـلـى الـلـغـة لـعـدم الـتـنـاسـب بـيـن الأفـكـار والألـفـاظ، فـالإنـسـان غـالـبـا مـا يـتـوقـف عــن الـحـديـث أو الـكـتـابـة بـحـثـا عـن الـلـفـظ الـمـنـاسـب لـلـتـعـبـيـر عـن أفـكـاره، ثـم أن الـلـفـظ لا يـعـبـر إلاّ عـلـى مـاتـعـارف عـلـيـه الـنـاس، وتـبـقـى الـكـثـيـر مـن الأفـكـار صـعـب الـتـعـبـيـر
عـنـهـا. زيـادة عـلـى أن الـفـكـر مـتّـصـل، بـيـنـمـا الألـفـاظ مـنـفـصـلـة، ذلـك أن تـحـلـيـل الألـفـاظ، لا يـؤدي إلـى بـلـوغ الـغـايـة أو الـقـصـد، والـلـفـظ لايـدل الاّعـلـى نـاحـيـة واحـدة مـن نـواحـي الـفـكـر.
مــنــاقــشــة :
إذا سـلّـمـنـا بـمـا ذهـب إلـيـه مـعـنـى الـحـدسـيـون، فـهـل يـمـكـن لـنـا أن نـتـخـيّـل صـورًا لا مـعـنـى لـهـا ( إسـمٌ مـثـلا ). ؟
صـحـيـح أن الإنـسـان إحـيـانـا يـتـوقـف بـل يـعـجـز عـن الـتـعـبـيـر عـمـا يـريـده، لـكـنّ هـذا لايـعـنـي اسـتـقـلالـيـة الـفـكـر عـن الـلّـغـة أو أسـبـقـيـة الـفـكـر عـنـهـا.
ب – الإتـجـاه الـواحـدي :
يـذهـب فـلاسـفـة الـلـغـة إلـى الـقـول أن الـلـغـة هـي الـوعـاء الـذي تـصـب فـيـه الأفـكـار فـالـتـجـارب تـدل عـلـى أن الـطـفـل يـتـعـلـم الألـفـاظ ويـردّدهـا قـبـل أن يـعـرف مـعـنـاهـا، وهـذا يـعـنـي أنـه يـردد الـكـلـمـات قـبـل الأفـكـار، يـقـول ” كـونـديـاك ” : ” الـمـعـانـي الـمـجـرّدة تـتـولـد مـن الـحـواس، ومعـنى ذلـك أن كـل فـكـرة أو صـورة أصـلـهـا الـلّـفـظ أو الإسـم الـذي تـلـقـيـنـاه بـواسـطة الـحواس “.
مــنــاقــشــة :
لـوكـان الـفـكـر سـجـيـن الـلـغـة كـمـا يـدّعـون، فـلـمـاذا لاتـكـون أفـكـارنـا واحـدة، مـادامـت الـلـغـة واحـدة ؟ ثـم أن الـطـفـل يـتـعـلـم الـتـفـكـيـر فـي الـوقـت الـذي، يـتـعـلـم فـيـه الألـفـاظ والـكـلـمـات. وهـذا يـبـدي الارتـبـاط الـواضـح بـيـن الـلـغـة والـتـفـكـيـر عـنـدمـا يـصـل الـفـرد مـرحـلـة مـن الـنّـضـج، فـنـطـلـب مـنـه الـتـفـكـيـر بـالـلـغـة الـتـي يـفـهـمـهـا والأفـكـار تـرد فـي الـذهـن، وهـي مـعـلـقـة بـالـلـغـة، فـالـفـكـر عـبـارة عـن حـوار أو لـغـة داخـلـيـة، يـقـول ” مـيـرلـوبـونـتـي ” ” إن الأفـكـار الـتـي نـظـنـهـا مـنـفـصـلـة عـن الـلـغـة، مـاهـي إلا أفـكـار سـبـق أن تـكـوّنـت وعبّـرنـا عـنـهـا ونـعـيـدهـا عـلـى أنـفـسـنـا فـي صـمـت يـجـعـلـنـا نعـتـقـد أن أفـكـارنـا مـتـمـيّـزه عـن الـلـغـة الـتـي نـعـبـر بـهـا عـن هـذه الأفـكـار “.
اســتــنــتـاج :
لـيـس هـنـاك وحـدة عـضـويـة بـيـن الـلـغـة والـفـكـر، وإن كـان هـنـاك تـداخـل بـيـنـهـمـا، إلاّ إنـنـا نـلاحـظ تـفـاوتـا بـيـن الـلـغـة والـفـكـر، يـؤكـده عـدم الـتـنـاسـب بـيـن الـقـدرة عـلـى الـفـهـم والـقـدرة عـلـى الـتـبـلـيـغ.
أمـا أسـبـقـيـة الـلـغـة عـن الـفـكـر فـهـي أسـبـقـيـة مـنـطـقـيـة لازمـانـيـة، والـلـغـة لـيـسـت مـجـرّد إطـار خـارجـي لـلـفـكـر، لأنـهـا تـحـتـوي عـلـى عـنـصـر عـقـلـي، بـل هـي
وظـيـفـة عـقـلـيـة، أو هـي نـشـاط عـقـلـي رمـزي، يـمـارس بـواسـطـة أعـضـاء تـقـوم بـوظـائـف
أخـرى غـيـر الـلـغـة، كـالـتـنـفـس بـالـنـسـبـة لـلأنـف، والـهـضـم بـالـنـسـبـة الأسـنـان، والـتّـذوق بـالـنـسـبـة لـلّـسـان.

5 – وظـائـف الـلـغـة :
يـمـكـن الـقـول أن الـلـغـة تـؤدي وظـائـف ثـلاث هـي :
أ – الـتّـواصـل وتـبـادل الـخـبـرات :
الـلـغـة وسـيـلـة اتـصـال وتـفـاهـم بـيـن الأفـراد، فـكـلـمـا زادت الـثـروة الـلـغـويـة لـلـفـرد أو الـجـمـاعـة إلاّ وازدادت الـعـلاقـة قـوة ومـتـانـة، وعـلـى هـذا فـالـلّـغـة تـعـكـس حـضـارة الـمـجـتـمـع الـتـي لا يـمـكـن فـهـمـهـا إلاّ بـعـد فـهـم لـغـة الـمـجـتـمـع، فــهـي الـتـي تـدون خـبـرات ومـهـارات وتـجـارب الأمـم والـجـمـاعـات والأفـراد.
الـتـعـبـيـر عـن الأصـالـة والـشـخـصـيـة :
إن الـلـغـة هـي الـمـرآة الـتـي تـعـكـس شـخـصـيـة الـفـرد أو الأمـة أو الـجـمـاعـة، وتـبـيـن مـخـتـلـف الـسّـمـات والـخـصـائـص ونـقـاط الـقـوة والـضـعـف الـتـي تـؤثـر فـي الـغـيـر، ويـمـكـن مـلاحـظـة ذلـك لـدى الـفـنـانـيـن والـسـيـاسـيـيـن وغـيـرهـم.
الـتـعـبـيـر عـن الـحـقـيـقـة :
مـن خـلال إدراكـنـا لـلـعـلاقـة بـيـن الـلـغـة والـفـكـر يـتـضـح لـنـا أن الـلـغـة هـي الـوسـيـلـة الـحـقـيـقـيـة الـتـي يـسـتـعـمـلـهـا الإنـسـان لإبـراز الأفـكـار بـصـورة واضـحـة صـحـيـحـة، ولا تـقـتـصـر وظـيـفـتـهـا عـلـى هـذا فـقـط، وإنـمـا تـتـعـدّى إلـى أبـعـد مـن ذلـك فـهـي وسـيـلـة هـامـة تـؤدي دورا حـتـى أثـنـاء الـتـفـكـيـر الـصّـامـت، وهـي الأداة فـي مـعـرفـة الـحـقـائـق “وإبـرازهـا والـتـعـبـيـر عـنـهـا لـغـويـا بـطـرق عـديـدة، فـنـحـن نـسـتـعـمـل الـلـغـة فـي مـجـالات عـديـدة، الـكـتـابـة، الـمـنـاقـشـة الـجـدل .. الإشـارة … لـلـتـعـبـيـر عـن الـدال والـمـدلـول.
مـن الـلـغـة الـطـبـيـعـيـة إلـى الـلـغـة الـمـنـطـقـيـة :
يـنـقـل الإنـسـان عـواطـفـه وأحـاسـيـسـه ومـشـاعـره إلـى الـغـيـر بـالـلـغـة، فـهـي أداة الـتـعـبـيـر والـتـواصـل، ولـكـن هـذا الـتـعـبـيـر يـتـخـذ أشـكـالا مـتـعـددة فـقـد يـكـون بـالإشـارات أو الـصّـراخ…

أ – الـلـغـة الـطـبـيـعـيـة الـفـطـريـة :
وهـي الـتـي يـتـم فـيـهـا الـتـعـبـيـر بـالـحـركـات أو الـحـمـرة والـصـفـرة الـتـي تـصـحـب الـهـيـجـان، أو الـصـراخ مـن الـلّـذة أو الألـم، وهـذا نـجـده عـنـد مـن يـعـيـشـون عـلـى الـفـطـرة، ويـشـتـرك كـذلـك الـحـيـوان مـع الإنـسـان فـي الـلـغـة الـفـطـريـة فـي حـالات عـديـدة كـالـجـوع والـعـطـش والـخـوف، لـكـن الـمـيـزة الـتـي يـتـصـف بـهـا الإنـسـان وهـي أنّـه لا يـكـتـفـى بـهـذه الـلـغـة الـطـبـيـعـيـة الـفـطـريـة وإنـمـا يـتـعـدّاهـا إلـى الـلـغـة الـتـى تـمـكـنـه مـن الـتـعـبـيـر عـن الأفـكـار والآراء وهـي الـلـغـة الاصـطـلاحـيـة الـمـنـطـقـيـة.
ب – الـلـغـة الـمـنـطـقـيـة :
وهـي الـلـغـة الـتـي يـسـتـعـمـلـهـا الإنـسـان فـي مـخـتـلـف الـعـمـلـيـات الـعـقـلـيـة، وأنـواع الـتـفـكـيـر الـعـلـمـي، والـفـلـسـفـي وغـيـره، وهـي أداة الـتـعـامـل بـيـن الـنـاس فـي الـعـالـم الإنـسـانـي الـحـقـيـقـي، هـذه الـلـغـة لاتـقـتـصـر عـلـى الـجـانـب الـبـيـولـوجـي الـضـروري لـلـحـيـاة وإنـمـا تـسـتـعـمـل لـلـتـعـبـيـر عـن الـشـئ سـواء كـان مـاديـا أم روحـيـا، ولـلـتـعـبـيـر عـن ذلـك تـسـتـعـمـل إمـا الـمـفـردات الـلـغـويـة ( إسـم، فـعـل.) وإمـا الـمـفـردات الـمـنـطـقـيـة الـتـي لاتـدل عـلـى الـشـيـئ ذاتـه وإنـمـا يـسـتـعـمـل الـعـقـل لـلإسـتـعـانـة بـهـا فـي فـهـم الـعـلاقـات والـروابـط بـيـن الألـفـاظ كـفـكـرة ( الـكـم أي الـعـدد ) وفـكـرة ( الـكـيـف أي الـحـالـة ) وغـيـر ذلـك كـأدوات الاسـتـفـهـام، فـهـي لا تـعـبـر عـن مـعـنـى فـي ذاتـهـا، وإنـمـا تـسـتـعـمـل لـلاسـتـعـانـة بـهـا والـتـعـبـيـر عـن بـعـض الـمـفـاهـيـم الـمـجـرّدة.

6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :
6 – 1 – وضّـح فـيـم يـتـجـلّـى تـأثـيـر الـلـغـة فـي الـفـكـر.
ب – نـص : الـلّـغـة مـيـزة الإنـسـان.
ثــم أنـه يـمـكـن أيـضـا مـعـرفـة الـفـرق بـيـن الإنـسـان والـحـيـوان إذ مـن الـمـلاحـظ أنـه لـيـس فـي الـنـاس ولا أسـتـثـنـي الـبـلـهـاء مـنـهـم، مـن هـم فـي الـغـبـاوة والـبـلادة بـحـيـث يـعـجـزون عـن تـرتـيـب الألـفـاظ الـمـخـتـلـفـة بـعـضـهـا مـع بـعـض، وعـن تـألـيـف كـلام مـنـهـا يـعـبـرون بـه عـن أفـكـارهـم، فـي حـيـن أنـه لايـوجـد حـيـوان يـسـتـطـيـع أن يـفـعـل ذلـك مـهـمـا يـكـن كـامـلا، وظـروف نـشـأتـه مـواتـيـة، وهـذا لايـنـشـأ عـن نـقـص فـي أعـضـاء الـحـيـوانـات لأنـك تـجـد الـلّـقـلـق والـبـبـغـاء يـسـتـطـيـعـان أن يـنـطـقـا بـبـعـض الألـفـاظ مـثـلـنـا، ولـكـنـك لا تـجـدهـمـا قـادريـن مـثـلـنـا عـلـى الـكـلام، أعـنـي كـلامًـا يـشـهـد بـأنـهـمـا يـعـيـان مـايـقـولان، فـي حـيـن أن الـنـاس الـذيـن ولـد وا صـمّـا بـكـمًـا، وحـرمـوا مـن الأعـضـاء الـتـي يـسـتـخـدمـهـا غـيـرهـم لـلـكـلام، كـحـرمـان الـحـيـوانـات أو أكـثـر، قـد اعـتـادوا أن يـخـتـرعـوا مـن تـلـقـاء أنـفـسـهـم إشـارات يـفـهـمـهـا مـن يـجـد الـفـرصـة الـكـافـيـة لـتـعـلـم لـغـتـهـم، لـوجـوده بـاسـتـمـرار مـعـهـم، وهـذا لايـدل عـلـى أن الـحـيـوان أقـلّ عـقـلا مـن الإنـسـان فـحـسـب، بـل يـدل عـلـى أنـه لا عـقـل لـه الـبـتّـة، لأنـنـا نـرى أن مـعـرفـة الـكـلام لاتـسـتـلـزم إلاّ الـقـلـيـل مـن الـعـقـل، ولـمـا كـان مـن الـمـلاحـظ أن بـيـن أفـراد الـنـوع الـواحـد مـن الـحـيـوان تـبـايـنـا كـتـبـايـن أفـراد الإنـسـان وأن بـعـضـهـا أيـسـر تـدريـبـا مـن بـعـض، كـان مـن الـبـعـيـد عـن الـتـّصـديـق أن قـردًا أو بـبـغـاء مـن أكـمـل أفـراد نـوعـه لا يـسـاوي فـي ذلـك أغـبـى طـفـل، أو عـلـى الأقـل طـفـلا مـضـطـرب الـمـخ، إلاّ إذا كـانـت نـفـس الـحـيـوان مـن طـبـيـعـة مـغـايـرة كـل الـمـغـايـرة لـطـبـيـعـة نـفـوسـنـا، فـيـجـب عـلـيـنـا إذن أن لاّنـخـلـط بـيـن الـكـلام والـحـركـات الـطـبـيـعـيـة الـتـي تـدل عـلـى الانـفـعـال، الـتـي يـمـكـن لـلاّلات أن تـقـلـدهـا، كـمـا تـقـلـدهـا الـحـيـوانـات ولا أن نـعـتـقـد مـع بـعـض الأقـدمـيـن، أن الـحـيـوانـات تـتـكـلـم، وإن كـنـا لانـفـهـم لـغـتـهـا، لأنـه لـوكـان ذلـك صـحـيـحـا لـكـانـت فـي اسـتـطـاعـتـهـا أيـضـا، مـا دام لـهـا كـثـيـر مـن الأعـضـاء الـمـشـابـهـة لأعـضـائـنـا، أن تـفـهـمـنـا مـايـخـتـلـج فـي صـدورهـا كـمـا تـتـفـاهـم وأبـنـاء جـنســهـا. رونـي ديـكـارت ( مـقـالـة الـطـريـقـة ).
تـرجـمـة جـمـيـل صـلـيـبـا ص 184 – 186.

أسـئـلـة :
1 – مـاهـي الإشـكـالـيـة الـتـي يـثـيـرهـا الـنـص ؟
2 – يـنـفـي ديـكارت وجـود لـغـة لـدى الـحـيـوان مـاهـي حـجـجـه فـي ذلـك ؟
3 – ألاَ يـمـكـن اعـتـبـار الـحـركـات الـطـبـيـعـيـة لـغـة ؟
4 – هـل أن الأصـمّ الأبـكـم فـاقـد لـلّـغـة ؟
5 – بـأي مـعـنـى يـمـكـن الـقـول أن الإنـسـان يـنـفـرد بـالـكـلام ؟

7 – أجـوبـةالـتـصـحـيـح الـذاتـي : :
سـنـحـاول بـاخـتـصـار الـوقـوف عـلـى مـدى تـأثـيـر الـلـغـة عـلـى الـفـكـر إن إشـكـالـيـة تـأثـيـر الـلـغـة عـلـى الـفـكـر لاجـدال فـيـهـا، ولـكـن فـيـم يـتـجـلَّـى هـذا الـتـأثـيـر ؟

أ – الـلـغـة وسـيـلـة ضـروريـة لـتـحـلـيـل الأفـكـار :
إن تـحـلـيـل الأفـكـار وتـجـسـيـدهـا والـتـعـبـيـر عـنـهـا يـتـطـلـب تـحـلـيـل هـذه الأفـكـار إلـى عـنـاصـرهـا الأولـيـة الـتـي تـتـكـون مـنـهـا، ذلـك أن الـفـكـرة هـي مـجـمـوعـة هـذه الـعـنـاصـر، وفـي غـيـاب الـلـغـة تـبـقـى الـفـكـرة دون تـحـلـيـل.

ب – الـلّـغـة أداة تـحـديـد الأفـكـار :
الـلّـغـة أداة تـقـوم بـتـحـديـد الأفـكـار وتـرتـيـبـهـا مـع إمـكـانـيـة الـتـقـديـم والـتـأخـيـر فـي عـنـاصـر الـفـكـرة.

جـ – الـلـغـة وسـيـلـة لـنـشـر الأفـكـار :
الـلـغـة أداة لـنـقـل الأفـكـار مـن جـهـة إلـى جـهـة أخـرى، ومـن شـخـص إلـى آخـر إذن فـهـي أداة لـلـتّـواصـل ونـقـل الـمـهـارات والـخـبـرات والـتـجـارب.

6 – 2 – نـظـرًا لـسـهـولـة الـنـص ووضـوحـه نـدعـوك إلـى قـراءتـه بـتـأن، والإجـابـة عـن الأسـئـلـة بـدقــة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock