دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الشخصية في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الشخصية في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـمـهـيـد :
سـنـورد لـك فـي هـذا الـتـمـهـيـد وصـف أحـد الـمـفـكـريـن لـشـخـصـيـة أرسـطـوطـالـيـس عـلـيـك أن تـقـرأه عـدة مـرات، فـسـيـسـاعـدك عـلـى تـكـويـن تـصـوّر أولـي لـلـشـخـصـيـة يـقـول : ” كـان أرسـطـوطـالـيـس، أبـيـض أجـلـح قـلـيـلا. حـسـن الـقـامـة، عـظـيـم الـعـظـام، صـغـيـر الـعـيـنـيـن كـث الـلـّحـيـة، أشـهـل الـعـيـنـيـن، أفـنـي الأنـف – صـغـيـر الـفـم عـريـض الـصـدر، يـسـرع مـشـيـتـه إذا خـلا، ويـبـطـئ إذا كـان مـعـه أصـحـابـه، نـاظـرا فـي الـكـتـب دائـمـا، لايـهـدأ ويـقـف عـنـد كـل كـلـمـة، ويـطـيـل الإطـراق عـنـد الـسـؤال، قـلـيـل الـجـواب – يـنـتـقـل فـي أوقـات الـنـهـار فـي الـفـيـافـي ونـحـو الأنـهـار، مـحـبـا لإسـتـمـاع الألـحـان وللإجـتـمـاع بـأهـل الـريـاضـيـات وأصـحـاب الـجـدل مـنـصّـفـا مـن نـفـسـه إذا خـصـم مـعـتـرفـا بـمـوضـع الإجـابـة والـخـطـأ مـعـتـدلا فـي الـمـلابـس والـمـآكـل والـمـشـارب والـمـنـاكـح والـحـركـات. بـيـده آلـة الـنـجـوم والـسـاعـات. مـات ولـه 68 سـنـة.

مـــلاحــظـــات :
بـعـد قـراءتـك لـهـذا الـوصـف لـشـخـصـيـة أرسـطـوطـالـيـس، سـتـلاحـظ، أنـه يـصـف شـخـصـيـتـه كـمـا تـبـدو لـلـمـلاحـظـيـن لـه مـن خـارج لاكـمـا تـبـدو لـصـاحـبـهـا ( أرسـطـو ) وهـذه هـي الـشـخـصـيـة الـمـوضـوعـيـة، وسـتـلاحـظ أيـضـا أنـه ذكـرصـفـات هـذه الـشـخـصـيـة، الـجـسـمـانـيـة والـعـقـلـيـة والـخـلـقـيـة والاجـتـمـاعـيـة الـتـي تـمـيـز الـفـيـلـسـوف (أرسـطـو) عـن غـيـره فـي نـظـر الـمـلاحـظـيـن لـه، فـجـمـلـة هـذه الـصـفـات إذن هـي الـتـي تـكـون فـي تـفـاعـلـهـا وتـكـامـلـهـا شـخـصـيـة أرسـطـو الـمـوضـوعـيـة أمـا شـخـصـيـتـه الـذاتـيـة فـتـتـمـثـل فـيـمـا يـعـرفـه أرسـطـو عـن نـفـسـه بطـريـقـة مـبـاشـرة، وعـلـيـه فـإن الـشـخـصـيـة الـذاتـيـة لايـعـرفـهـا إلاّ هـو

اســتــنــتـاج :

بـعـد هـذا الـتـحـلـيـل يـمـكـنـنـا أن نـسـتـنـتـج :

1 – فـكـرة الـشـخـصـيـة تـشـمـل جـمـيـع الـصـفـات الـجـسـمـيـة والـعـقـلـيـة والـخـلـقـيـة والـوجـدانـيـة فـي حـالـة تـفـاعـلـهـا وتـكـامـلـهـا فـي شـخـص مـعـيـن.
2 – إن حـالـة جـسـم شـخـص مـا مـن صـحـة ومـرض وطـول وقـصـر… ودوافـعـه وانـفـعـالاتـه وإرادتـه وعـاداتـه وذكـاءه وثـقـافـتـه ونـوع تـفـكـيـره وشـعـوره. وآراءه ومـعـتـقـداتـه. إنـمـا تـمـثـل كـلّ واحـدة مـنـهـا جـانـبـا مـن جـوانـب شـخـصـيـة.

1 – ضـبـط مـفـهـوم الـشـخـصـيـة :

سـنـتـعـرض هـنـا لـلـمـفـهـوم الـلـغـوي لـكـلـمـة شـخـصـيـة ثــم الـمـفـهـوم الـعـامـي لـهـا، وأخـيـرا الـمـفـهـوم الـعـلـمـي.

أ – الـمـفـهـوم الـلـّغـوي :
أشـتـق مـصـطـلـح الـشـخـصـيـة فـي الـلـغـة الـعـربـيـة مـن
( شـخـص ) الـذي يـعـنـي مـاتـراه الـعـيـن أو تـبـصـره، أي الإنـسـان كـلـه حـيـن تـراه مـن بـعـيـد، أمـا فـي الـلـغـة الـفـرنـسـيـة فـإن كـلـمـة Personalité تـعـود إلـى الأصـل الـيـونـانـي Persona الـذي يـعـنـي الـقـنـاع الـذي يـضـعـه الإنـسـان عـلـى وجـهـه لـلـتـمـثـيـل أو الـتـقـلـيـد أو الـتـصـنـع …
ويـبـدو أن أصـل الـشـخـصـيـة في الـلـغـة الـعـربـيـة أكـثـر صـدقـا وشـفـافـيـة مـن الـنـاحـيـة الـعـلـمـيـة الـمـوضـوعـيـة فـي الـتـعـبـيـر عـن مـفـهـوم الـشـخـصـيـة، لأنـه يـدل عـلـى الـسـمـات الـعـامـة الـكـامـنـه فـي الإنـسـان كـلـه ومـا يـمـيـزّه عـن غـيـره ولـيـس عـن مـجـرد قـنـاع مـتـحـول ومـتـغـيـر حـسـب أدوار الـحـيـاة الـعـمـلـيـة.

ب – الـمـفـهـوم الـعـامـي :
إذا سـألـنـا إنـسـانـا عـاديـا عـن مـدلـول كـلـمـة الـشـخـصـيـة عـنـده فـيـجـيـبـنـا مـبـاشـرة بـأنـهـا كـلـمـة تـشـيـر إلـى الـمـركـز الاجـتـمـاعـي، الـذي يـحـتـلـه الـشـخـص مـثـل الـرئـيـس والـوزيـر والـمـديـر… أمـا مـن لـيـس لـه مـثـل هـذه الـمـراكـز فـلـيـس لـه شـخـصـيـة. فـالـمـفـهـوم الـعـامـي اذن يـربـط الـشـخـصـيـة بـقـوتـهـا وثـقـلـهـا الاجـتـمـاعـي.

نــقـــد :
هـذا الـفـهـم غـيـر صـحـيـح مـن الـنـاحـيـة الـعـلـمـيـة. لأنـه يـربـط مـدلـول الـشـخـصـيـة بـبـعـض الـنـاس فـقـط، فـالـذي لـيـس لـه قـوة أو مـركـزًا اجـتـمـاعـيّـا لـيـس لـه شـخـصـيـة فـي نـظـر الـعـامـة.
أمـا الـعـلـم فـيـنـظـر لـلـشـخـصـيـة عـلـى أنـهـا تـركـيـب بـيـن عـنـاصـر مـخـتـلـفـة نـجـدهـا لـدى كـل شـخـص مـهـمـا كـان مـركـزه الاجـتـمـاعـي، ومـهـمـا كـانـت قـوتـه، وهـذه الـعـنـاصـر مـنـهـا مـاهـو وراثـي بـيـولـوجـي ومـاهـو مـكـتـسـب مـن الـمـجـتـمـع وثـقـافـتـه.

جـ – الـتـعـريـف الـعـلـمـي لـلـشـخـصـيـة :
لـيـس هـنـاك تـعـريـفـا واحـدا لـلـشـخـصـيـة مـن الـنـاحـيـة الـعـلـمـيـة، ويـرجـع اخـتـلاف الـعـلـمـاء فـي تـعـريـفـهـا إلـى اخـتـلافـهـم فـي الـجـوانـب الـتـي يـؤكـدونـهـا عـلـى حـسـاب غـيـرهـا مـن الـجـوانـب.
عـرفـهـا ( لـنـتـون – R. Linton ) بـقـولـه : ” هـي الـمـجـمـوعـة الـكـامـلـة لـصـفـات الـفـرد الـعـقـلـيـة والـنـفـسـيـة والاجـتـمـاعـيـة “.
وعـرفـهـا ( يـوسـف مـراد ) بـقـولـه : ” هـي الـصـورة الـمـنـتـظـمـة الـمـتـكـامـلـة لـسـلـوك فـرد مّـا يـشـعـر بـتـمـيـزه عـن الـغـيـر” . ونـلاحـظ أنـه لايـصـح تـعـريـفـهـا بـأنـهـا مـجـمـوعـة مـن الـصـفـات فـقـط، لأنـهـا تـجـمـع إلـى جـانـب الـصـفـات، مـايـجـمـعـهـا وهـو الـذات الـشـاعـرة.

مـــلاحــــظــة :
رغـم اخـتـلاف الـعـلـمـاء فـي تـعـريـفـهـا إلاّ أنـهـم يـؤكـدون أنـهـا تـتـمـثـل فـي ذلـك الـتـفـاعـل الـقـائـم بـيـن مـجـمـوع الـوظـائـف الـنـفـسـيـة والـبـيـولـوجـيـة الـتـي يـتـوفـر عـلـيـهـا الـشـخـص وهـكـذا فـالـشـخـصـيـة يـمـكـن تـصـورهـا مـن خـلال تـصـور الـتـكـامـل والـتـفـاعـل الـقـائـمـيـن بـيـن الـجـوانـب الأربـعـة الآتـيـة :

أولا : الـجـانـب الـنـفـسـي :
الـمـتـمـثـل فـي إدراكـنـا لـذواتـنـا ولـحـيـاتـنـا الـنـفـسـيـة،الـمـسـتـمـرة ومـا فـيـهـا مـن عـواطـف وإنـفـعـالات، وأفـكـار وتـصـورات وذكـريـات.

ثــانـيـا : الـجـانـب الـجـسـمـي :
الـمـتـمـثـل فـي إدراكـنـا لأبـعـاد الـجـسـم، وشـكـلـه وحـالاتـه مـن صـحـة أو مـرض أو قـوة أو ضـعـف …

ثـالـثـا : الـجـانـب الإجـتـمـاعـي :
الـمـتـمـثـل فـيـمـا : يـزرعـه فـيـنـا الـمـجـتـمـع مـن عـادات وقـيـم وعـقـائــد وأسـالـيـب سـلـوك.

رابـعـا : الـجـانـب الـمـيـتـافـيـزيـقـي :
الـمـتـمـثـل فـي تـلـك الـحـقـيـقـة الـثـابـتـة فـيـنـا والـتـي هـي عـلـة ثـبات الـهـويـة الـفـرديـة رغـم تـغــيُّـر الـشـخـصـيـة في مـظـاهـرها الجسمـيـة والـعـادات الـنـفـسـيـة والإجـتـمـاعـيـة هـذه الحـقـيـقـة تـدعى ( الأنـا ).

2 – الـجـانـب الـذاتـي والـجـانـب الـمـوضـوعـى مـن الـشـخـصـيـة :
لـقـد مـربـنـا فـي الـتـمـهـيـد أن الـوصـف الـذي وصـف بـه أحـد الـمـفـكـريـن شـخـصـيـة ارسـطـو كـمـا بـدت لـه ورآيـنـا أن مـايـصـفـه هـذا الـمـفـكـر إنـمـا هـو الـشـخـصـيـة الـمـوضـوعـيـة لارسـطـو أمـا شـخـصـيـتـه الـذاتـيـة أو ( انـيـتـه ) فـتـتـمـثـل فـي شـعـور ارسـطـو بـذاتــه وشـخـصـيـتـه.
واذن فـلـلـشـخـصـيـة ( أي شـحـصـيـة ) جـانـبـان أحـدهـمـا مـوضـوعـي يـحـاول الـعـلـمـاء دراسـتـه دراسـة مـوضـوعـيـة ويـتـمـثـل فـي الـطـبـع. ومـوضـوع الـفـروق الـفـرديـة. وجـانـب ذاتـي يـتـمـثـل فـي شـعـور الـفـرد بـانـيـتـه الـتـي هـي شـخـصـيـتـه الـحـقـيـقـيـة لأن.الـشـخـصـيـة الـمـوضـوعـيـة عـبـارة عـن قـنـاع أو شـخـصـيـة مـسـتـعـارة يـبـديـهـا لـنـا الـفـرد ويـخـفـي وراءهـا أنـيـتـه الـحـقـيـقـيـة فـالـمـخـادع لا يـكــشـف لـنـا عـن حـقـيـقـتـه وإنـمـا يـكــشـف لـنـا شـخـصـيـة أمـيـنـة مـخـلـصـة غـيـر مـخـادعـة، وكـذلـك الـمـنـافـق أو الـلـص والـجـبـان …
ونـسـأل كـيـف يـتـكـون شـعـورا لـفـرد بـانـيـتـه ؟ يـمـر شـعـور الـفـرد بـانـيـتـه عـبـر ثـلاث مـراحـل أسـاسـيـة هـي :

أ – مـرحـلـة الـلاتـمـايـز :
وهـي الـتـي تـسـتـغـرق الأشـهـر الأربـعـة أو الـخـمـسـة الأولـى مـن حـيـاة الـرضـيـع وفـيـهـا يـكـون الـرضـيـع خـالـيـا مـن أي شـعـور بـشـخـصـيـتـه فـشـعـوره هـنـا يـكـون مـحـصـورًا فـي الإحـسـاسـات الـسـطـحـيـة الـتـي تـثـيـرهـا الـمـنـبـهـات الـخـارجـيـة. وهـكـذا الـرضـيـع لايـمـيـز بـيـن جـسـمـه وبـيـن الأشـيـاء الـمـحـيـطـة بـه ولايـعـرف أن أعـضـاءه تـكـون أجـزاء مـن جـسـمـه لذلـك نـجـده يـمـص أصـابـعه كـمـا يـمـص أي شـيـئ آخـر.

ب – مـرحـلـة الـشـعـور بـالأنـا الـجـسـمـانـي :
إبـتـداء مـن الـشـهـر الـخـامـس، وبـعـد أن يـبـدأ نـضـج الـمـراكـز الـعـصـبـيـة، يـصـبـح الـطـفـل قـادرًا عـلـى الـربـط بـيـن الإحـسـاسـات الـمـخـتـلـفـة بـحـركـاتـه تـبـعـا لـلـمـؤثـرات الـخـارجـيـة وبـتـتـالـي الـنـشـاط الـحـسـي والـحـرك2ـي وتـرقّـيـه، تـتـضـح الـفـواصـل الـتـي تـفـصـل بـيـن الـعـالـم الـخـارجـي، وبـيـن الـجـسـم فـيـتـم عـنـد الـطـفـل تـعـيـيـن حـدود الـجـسـم بـواسـطـة الـبـصـر والـلـمـس خـاصـة فـيـكـتـسـب الـجـسـم عـنـده الـمـدولات الأربـعـة الـتـالـيـة :

أولا :
كـل شـيـئ يـمـس الـجـسـم يـحـس بـه، ولايـحـس بـالأشـيـاء الـتـي لاتـلـمـس جـسـمـه فـيـتـكـون عـنـده الـمـدلـول الـتـالـي : الـجـسـم هـو الـشـيـئ الـذي يـبـطـل عـنـده مـقـدرتـه عـلـى الإحـسـاس.

. ثـانـيـا :
الـجـسـم هـو الـحـقـيـقـة الـواقـعـيـة الـمـدركـة مـن الـداخـل حـتـى وإن كـفـت الـحـواس فـالـطـفـل يـحـس بـيـده حـتـى ولـو كـانـت عـيـنـاه مـغـمـضـتـيـن فـي حـيـن لايـحـس بـالـكـرسـي إلاحـيـنـمـا تـكـونـان مـفـتـوحـتـيـن.

ثــالـثـا :
الـجـسـم هـو الـشـيـئ الـذي يـمـكـن تـحـريـكـه مـبـاشـرة فـي حـيـن لايـلاحـظ ذلـك عـلـى حـركـات الأشـيـاء الأخـرى، فـهـذه الأشـيـاء إذن غـيـر الـجـسـم.
رابـعـا :
الـجـسـم هـو الـواسـطـة الـتـي تـلـمـس بـهـا الأشـيـاء الـخـارجـيـة والألـة الـتـي تـؤثـر فـي هـذه الأشـيـاء.

جـ – مـرحـلـة تـكـون الأنـا الإجـتــمـاعـي :
فـي هـذه الـمـراحـلـة يـتـكـون لـدى الـطـفـل الـشـعـور بـأنـاه الإجـتـمـاعـي والـنـفـسـانـي وذلـك بـمـسـاعـدة الـعـوامـل الأتـيـة :

أولا :
الأشـيـاء الـتـي يـعـدهـا الـطـفـل مـلـكـالـه وحـده كـوالـدتـه وثـيـابـه ولـعـبـه…

ثـانـيـا :
مـعـرفـتـه لـلآخـريـن تـسـاعـد عـلـى تـكـويـن الـشـعـور بـأنـاه الإجـتـمـاعـي، فـالـفـكـرة الـتـي نـكـونـهـا عـن أنـفـسـنـا تـحـوي الـكـثـيـر مـن الـمـعـانـي الـتـى تـسـتـمـدهـا مـن مـعـرفـة الـغـيـر.

ثـالـثـا :
تـزايـد عـدد الأفـعـال والأدوار الـتـي يـقـوم بـهـا الـطـفـل وتـمـكـنـه مـن اللـغـة وإسـتـعـمـال الـضـمـائـر، كـل ذلـك يـزيـد مـن قـدرتـه عـلـى تـطـور ذاتـه.

رابـعـا :
إن صـور الـمـقـاومـة الـتـي يـتـلـقـاهـا الـطـفـل مـن مـحـيـطـه تـسـاعـده عـلـى تـكـويـن أنـاه الـمـعـنـوي والـشـعـوري. هـذا الآنـا مـرهـون فـي الـحـقـيـقـة بـبـزوغ مـقـدرة الـطـفـل عـلـى تـأمـل نـفـسـه وإدراكـهـا كـشـيـئ خـاص بـه يـمـكـن إخـفـاؤه عـن الآخـريـن. ولـذلـك نـلاحـظ الأطـفـال فـي هـذه الـمـرحـلـة يـعـمـدون إلـى الـكـذب لاتـخـاذه كـأداة لـلـعـب والـتـمـريـن الـتـخـيـّلـي لاخـتـيـار قـدرتـهـم عـلـى إخـفـاء أفـكـارهـم، وبـتـكـون هـذا الأنـا، وتـحـقـق الـشـعـور بـه تـكـتـمـل الـشـخـصـيـة الـذاتـيـة.

3 – الـطـبـع والـشـخـصـيـة


يـشـيـر الـطـبـع إلـى الـجـانـب الـمـوضـوعـي مـن الـشـخـصـيـة ولـكـنـه يـشـيـر أيـضـا إلـى ذلـك الـجـانـب الـمـعـبـر عـن الـصـفـات الـمـشـتـركـة، بـيـن الأفـراد فـهـنـاك الـكـثـيـر مـن الـنـاس يـتـشـابـهـون فـي كـونـهـم جـبـنـاء ، وآخـرون فـي كـونـهـم شـجـعـانـا، والـبـعـض فـي كـونـهـم سـريـعـي الـغـضـب والـبـعـض فـي كـونـهـم هـادئـيـن وهـكـذا. إن هـذه الـصـفـات الـتـي تـتـشـابـه بـيـن بـعـض الـنـاس وتـتـم بـنـوع مـن الـثـبـات هـي الـتـي نـسـمـيـهـا ( الـطـبـع ) فـمـا الـطـبـع ؟

مـعـنـي الـطـبـع :
نـطـلـق كـلـمـة طـبـع عـلـى الـحـالـة الـتـي خـلـق عـلـيـهـا الإنـسـان أي مـجـمـوع مـا يـتـصـف بـه مـن إسـتـعـدادات خـلـقـيـة و نـفـسـيـة. وعـرفـه
( لـوسـيـن Le senne ) ( 1882 – 1954 ) مـؤسـس عـلـم الـطـبـاع بـفـرنـسـا ” الـطـبـع هـو مـجـمـوعـة الإسـتـعـدادات الـفـطـريـة الـتـي تـكـون الـهـيـكـل الـذهـنـي لـدى الإنـسـان وهـكـذا فـالـطـبـع هـو مـحـطـة مـحـصـلـة الـوراثـات الـتـي تـلاقـت فـي الـفـرد وهـو يـشـيـر إلـى مـايـرثـه الـفـرد مـن أبـويـه وأجـداده وجـنـسـة الـبـشـري.

تـصـنـيـف الـطـبـاع :
حـاول الـعـلـمـاء مـنـذ الـقـديـم تـصـنـيـف طـبـاع الـنـاس فـقـد قـام كـل مـن ( إيـبـوقـراط ) ( 400 ق.م ) و ( جـالـيـنـوس ) ( 150 ق.م ) بـتـفـسـيـر إخـتـلاف أنـمـاط الـشـخـصـيـة حـسـب إخـتـلاف الـدم كـمـايـلـي

وقـد أخـد بـهـذه الـنـظـريـة بـعـض الـعـلـمـاء والـفـلاسـفـة الـعـرب أمـثـال فـخـر الـديـن الـرازي ( 544 – 606 هـ ) أمـا فـي الـعـصـر الـحـديـث فـسـنـشـيـر إلـى نـوعـيـن مـن تـصـنـيـف الـطـبـاع كـانـت ومـازالـت لـهـمـا أهـمـيـة كـبـيـرة هـمـا :

أولا : تـصـنـيـف يـونـغ : يـرى ( يـونـغ – C.Jung )
أن هـنـاك نـمـوذجـيـن أسـاسـيـيـن يـنـتـظـم فـيـهـمـا كـل الـنـاس وهـمـا :
أ – الـمـنـبـسـط :
ويـتـصـف بـالـتـوجـه بـنـشـاطـه نـحـو الـعـالـم الـخـارجـي.

ب – الـمـنـطـوي :
وهـو الـذي يـتـجـه بـنـشـاطـه إلـى الـداخـل نـحـو الـذات لـكـن كـل نـمـودج مـن هـذيـن الـنـمـودجـيـن يـخـضـع لـتـسـلـط إحـدى وظـائـف الـنـفـس الأربـعـة الـمـوجـهـة لـسـلـوك الـفـرد وهـي : الـتـفـكـيـر – الـوجـدان – الـحـس – الإلـهـام أو الـحـدس.
وتـبـعـا لـمـا سـبـق يـقـسـم كـارل يـونـغ الـنـاس إلـى ثـمـانـيـة أنـمـاط حـسـب الـمـخـطـط الـتـالـي :

مـن الـشـكـل الـسـابـق نـجـد (08) ثـمـانـيـة نـمـاذج يـتـقـسـم إلـيـهـا هـي :

أ – الانـبـسـاطـي الـمـفـكـر :
– يـتـصـل بـالـعـالـم الـخـارجـي.
– – تـفـكـيـره مـادي مـسـتـمـد مـن الـواقـع.

ب – الانـبـسـاطـي الـوجـدانـي :
يـتـصـرف تـبـعـا لـوجـدانـه، ويـحـتـرم الـتـقـالـيـد.

جـ – الانـبـسـاطـي الـحـسـي :
يـكـون واقـعـيـا، يـتـقـبـل الـحـيـاة كـمـا هـي لـتـأثـره بـالـمـواقـف الحسـيـة.

د – الانـبـسـاطـي الـمـلـهـم :
يـمـيـل إلـى الـعـمـل، لايـتـحـكـم الـمـجـتـمـع فـي مـدركـاتـه وأحـاسـيـسـه – يـسـيـطـر عـلـى الـعـالـم الـخـارجـي.

هـ – الإنـطـوائـي الـمـفـكـر : لا يـهـتـم بـالـعـالـم الـخـارجـي، يـعـيـش فـي عـالـم الـنـظـريـات والآراء والـمـثـل الـعـلـيـا غـيـر عـمـلـي.

و – الانـطـوائـي الـوجـدانـي : تـسـيـطـر عـلـيـه الـعـوامـل الـذاتـيـة، يـغـلـب عـلـيـه الـحـمـاس وتـقـلـب الانـفـعـالات والـمـيـل إلــى الـحـزن.

ز – الإنـطـوائـي الـحـسـي : يـهـتـم بـالـعـالـم الـخـارجـي يـلـون خـبـراتـه بـالـطـابـع الـشـخـصـي.

ح – الانـطـوائـي الـمـلـهـم : مـن هـذا الـنـمـط الـفـنـانـون الـمـتـصـوفـون، الـذيـن يـكـون تـفـكـيـرهـم بـعـيـدًا عـن الـواقـع.

ثـانـيـا : تـصـنـيـف لـوسـيـن.

يـسـتـنـد تـصـنـيـف لـوسـيـن إلـى خـصـائـص ثـلاث أسـاسـيـة هـي :

أ – الإنـفـعـالـيـة : وتـشـيـر إلـى قـابـلـيـة الإنـسـان لـلـتـهـيـج والانـفـعـال.

ب – الـفـعـالـيـة : ويـشـير إلى قـابـلـية الإنسـان لـلـعـمـل ودرجـة إقـبـالـه علـيه.

جـ – الـتـرجـيـع : ويـشـيـر إلـى سـرعـة الاسـتـجـابـة لـلـمـؤثـرات ورد الـفـعـل عـنـهـا ولـه صـورتـان.

الأولى : التـرجـيع الـقريـب : ويـعـنـي بـه الـسـرعـة فـي الإسـتـجـابـة ورد الفـعل.

الـثـانـيـة : الـتـرجـيع الـبعـيد : ويعـنـي به الـبـطء فـي الإسـتـجـابـة ورد الفـعل.
وبـالاعـتـمـاد عـلـى هـذه الـخـصـائـص الـثـلاث يـصـنــف لـوسـيـن طـبـاع الـنـاس إلـى ثـمـانـيـة نـمـاذج هـي :

أ – الـمـنـفـعـل اللافـعـال الأولـى :
وهـو عـصـبـي ذو تـرجـيـع قـريـب، يـتـغـيـر مـع الـحـوداث الـحـاضـرة، يـصـعـب عـلـيـه الـتـفـكـيـر، حـسـاسـيـتـه عـنـيـفـة وعـواطـفـه مـتـقـلـبـة.

ب – الـمـنـفـعـل اللاّفـعـال الـثـانـوي :
وهـو عـاطـفـي ذو تـرجـيـع بـعـيـد، يـتـأثـر بـالـحـوادث الـخـارجـيـة، والـحـوادث الـمـاضـيـة ويـسـتـجـيـب لـلـعـواطـف الـخـلـقـيـة، يـحـب الـصـدق والـجـد وتـغـلـب عـلـيـه الـحـسـاسـيـة.

جـ – الـمـنـفـعـل الـفـعـال الأولـي :
وهـو الـغـضـوب ذو الـتـرجـيـع الـقـريـب، يـظـهـر انـفـعـالـه بـواسـطـة الـحـركـة، يـتـحـمـس كـثـيـرًا لـلـعـمـل، قـابـل للإثـارة، مـحـب للإجـتـمـاع مـيّـال للإفـراط.

د – االـمـنـفـعـل الـفـعـال الـثـانـوي :
وهـو الـجـمـوح ذو الـتـرجـيـع الـبـعـيـد يـحـب الـعـمـل والـنـظـام، ويـقـبـل الـتـضـحـيـة مـن أجـل الـمـبـادئ، ويـمـيـل إلـى فـرض شـخـصـيـتـه، يـغـلـب عـلـيـه الـتـطـلـع والـطـمـوح.

هـ – اللامـنـفـعـل الـفـعـال الأولـي :
وهـو الـدمـوي ذو الـتـرجـيـع الـقـريـب، مـتـفـتـح عـلـى الـعـالـم الـخـارجـي، وقـابـل لـلـتـكـيـف مـعـه، يـحـب الـمـوضـوعـيـة فـي الـكـلام والـعـمـل، وهـو مـتـحـرر يـمـيـل إلـى الـتـطـبـيـق.

و – اللامـنـفـعـل الـفـعـال الـثـانـوي :
وهـو الـبـلـغـمـي ذوالـتـرجـيـع الـبـعـيـد، يـمـتـاز بـالـهـدوء والـصـبـر وحـب الـنـظـام، والـتـفـكـيـر قـبـل الـتـنـفـيـذ، ويـحـب الـقـوانـيـن.

ز – الـلاّمـنـفـعـل اللافـعـال الأولـي :
و هـو الـهـلامـي ذو الـتـرجـيـع الـقـريـب لايـسـتـجـيـب لانـفـعـالات الـغـيـر، ولالـلـوسـط الـذي يـعـيـش فـيـه، لايـهـتـم بـالـنـظـام الاجـتـمـاعـي أو الـديـن، ويـمـيـل إلـى الـمـوسـيـقـى، ويـسـتـسـلـم لـلـحـوادث والـظـروف..

ح – الـلامـنـفـعـل الـلافـعـال الـثـانـوي :
وهـو الـمـتـبـلـد الـبـارد ذو الـتـرجـيـع الـبـعـيـد، يـكـون حـبـيـس عـاداتـه، يـحـب الـوحـدة والـهـدوء ويـكـون مـحـافـظًـا.

الـمـنــاقـشـــــة :
هـذه الـنـمـاذج الـثـمـانـيـة تـشـمـل عـددا لايـحـصـى مـن الـطـبـاع لأن كـل خـاصـة مـن الـخـصـائـص الـتـكـويـنـيـة الـمـذكـورة سـابـقـا تـتـراوح قـوتـهـا بـيـن ( الـصـفـر ومـئـة درجـة ).
غـيـر أن عـلـم الـطـبـاع وهـو يـسـعـى إلـى اكـتـشـاف الـصـفـات الـمـمـيـزة لـلأنـا الـنـفـسـي بـطـريـقـة مـوضـوعـيـة لايـقـدم لـنـا فـكـرة عـن مـاهـيـة هذا الأنـا من الـنـاحـيـة الـذاتـيـة، فـهـو عـمـاد الـشـخـصـيـة مـن هـذه النـاحيـة.
ثـم أن وضـع الأشـخـاص فـي أنـمـاط مـعـيـنـة تـعـطـيـهـم أو صـافـا كـثـيـرة قـد يـوصـفـون بـهـا بـأوصـاف لاتـنـطـبـق عـلـيـهـم، وهـذا مـعـنـاه أنـنـا نـصـب الأشـخـاص فـي قـوالـب جـامـدة تـتـجـاهـل إلـى حـدمّـا الـفـروق الـفـرديـة وانـتـظـامـهـا. غـيـر أن هـذا الـنـقـص لايـعـيـب أبـدًا الـنـظـريـات الـخـاصـة بـالـطـبـاع فـفـائـدتـهـا لا تـخـفـى عـلـى أحـد.

4 – الـفـروق الـفـرديـة :

قـلـنـا فـيـمـا سـبـق أن كـل إنـسـان هـو فـي بـعـض نـواحـيـه يـشـبـه كـل الـنـاس، وفـي بـعـضـهـا يـشـبـه بـعـض الـنـاس، وفـي بـعـضـهـا الآخـر لايـشـبـه أحـدا مـن الـنـاس. ونـسـأل الآن عـن هـذا الإخـتـلاف بـيـن الـنـاس مـا سـبـبـه؟ فـكـل فـرد كـمـا نـعـلـم هـو نـمـط فـريـد مـن نـوعـه لا يـمـكـن أن يـتـكـرر، ولا يـمـكـن أن يـشـبـهـه أحـد مـن الـنـاس تـمـام الـشـبـه. فـلـمـاذا ؟
الـسـبـب يـعـود أسـاسـا إلـى الـعـوامـل الـمـحـددة لـلـشـخـصـيـة والـتـي تـتـمـثـل أسـاسـا فـي عـامـلـي الـوراثـة والـبـيـئـة.

أ – دور الـوراثـة :
يـبـدأ نـمـو الـجـسـم أسـاسـا مـن خـلـيـة مـفـردة تـكـونـت نـتـيـجـة اتـحـاد الـحـيـوان الـمـنـوي الـقـادم مـن الأب بـالـبـويـضـة الـمـوجـودة فـي الأم ثـم تـشـرع هـذه الـخـلـيـة فـي الإنـقـسـام إلـى خـلـيـتـيـن ثـم إلـى أربـع فـإلـى ثـمـانـي خـلايـا وهـكـذا إلـى أن يـتـكـون جـسـم الإنـسـان، وتـتـنـوع أعـضـاؤه وتـخـتـلـف وظـائـفـهـا، وظـائـف الأعـصـاب غـيـر وظـائـف الـعـضـلات، وهـذه غـيـر وظـائـف الـغـدد والـعـظـام…
وقـد أثـبـتـت الـبـحـوث الـعـلـمـيـة أن الـجـنـيـن يـرث صـفـات أبـويـه وأجـداده، وأكـدت مـن جـهـة أخـرى أن الـحـيـوان الـمـنـوي والـبـويـضـة يـحـمـلان الـصـفـات الـتـي يـرثـهـا الأبـنـاء فـي خـيـوط مـلـونـة شـبـيـهـة بـالـعـصـي تـدعـى ( الـمـورثـات أو الـجـيـنـات ) الـتـي تـحـمـل الإسـتـعـدادات الـوراثـيـة.
إن هـذه الـجـيـنـات هـي الـتـي تـؤثـر فـي خـصـائـص الـفـرد الـبـشـريـة. وتـعـطـي تـشـكـيـلاتهـا الـمـخـتـلـفـة اخـتـلاف الأفـراد فـيـمـا بـيـنـهـم وتـمـكـن مـن انـتـقـال بـعـض الـصـفـات الـبـدنـيـة والإسـتـعـدادات الـنـفـسـيـة مـن الآبـاء إلـى الأبـنـاء كـلـون الـعـيـنـيـن، ولـون الـبـشـرة ولـون الـشـعـر، وشـكـل الـوجـه، وطـول الـقـامـة، وكـالـدوافـع الأولـيـة والإنـفـعـالات والـذكـاء.
ونـظـرا لأهـمـيـة هـذه الـمـورثـاتفـي تـشـكـيـل شـخـصـيـة الـفـرد اعـتـقـد أنـصـار الـوراثـة أن الـوراثـة وحـدهـا هـي الـمـحـدد الـوحـيـد لـشـخـصـيـة الإنـسـان، وأن الإخـتـلافـات الـمـلاحـظـة بـيـن الأفـراد تـعـود إلـى إخـتـلاف خـلايـاهـم الـجـرثـومـيـة الـمـولـودون بـهـا.

أ- 1- الـغـدد الـصـم وتـأثـيـرهـا عـلـى الـشـخـصـيـة :
هـنـاك مـجـمـوعـة مـن الـغـدد الـصـم الـتـي لـيـسـت لـهـا قـنـوات خـارجـيـة وتـفـرز هـرمـونـات داخـل الـدم مـبـاشـرة، لـكـن مـا تـفـرزه هـذه الـغـدد مـن هـرمـونـات عـلـى قـلـتـه لـه تـأثـيـر فـعـال فـي الـشـخـصـيـة نـتـيـجـة لـمـا تـقـوم بـه هـذه الإفـرازات مـن دور فـي الـتـعـديـل والـنـمـو والـهـدم والـبـنـاء، والـتـأثـيـر الـواضـح فـي بـنـيـة الـشـخـص ومـزاجـه، وذكـائـه، وفـعـالـيـتـه ومـن هـذه الـغـدد :
أولا : الـغـدة الـدرقـيـة : لأفـرازتـهـا صـلـة مـبـاشـرة بـعـمـلـيـة ( الأيـض ) أي الـهـدم والـبـنـاء فـي الأنـسـجـة، فـإن كـان نـشـاطـهـا مـفـرطـا زاد الـنـشـاط الـحـيـوي، وأصـبـح الـفـرد قـلـقـا سـريـع الاهـتـيـاج، وإن قـل نـشـاطـهـا قـل إفـرازهـا وأصـبـح الـشــخـص خـامـلا بـلـيــدا بـطـيء الـتـفـكـيـر والـتـذكـر.
ثـانـيـا : غـدتـا الادريـنـالـيـن : هـاتـان الـغـدتـان تـقـعـان أعـلـى الـكـلـيـتـيـن وتـفـرزان هـرمـونـا قـويـا يـزداد كـلـمـاكـان الإنـسـان فـي حـالات إنـفـعـال أو آلام جـسـمـيـة، ودوره هـو تـهـيـئـة الـجـسـم لـمـواجـهـة الـطـوارئ، وإعـداد الـفـرد لـلـهـروب أو الـقـتـال. أمـا قـشـرتـهـا فـتـفـرزان مـادة ( الـكـوتـيـن ) الـتـي تـسـاعـد عـلـى الـعـمـل الـعـقـلـي الـمـتـواصـل ومـقـاومـة الـعـدوى.
ولـكـن إن زاد إفـرازهـا أدى إلـى تـضـخـم خـصـائـص الـذكـورة عـنـد الـرجـل، وإظـهـارهـا عـنـد الـمـرأة مـثـل الـشـعـر فـي الـوجـه، أو الـصـوت الـغـلـيـظ.
ثـالـثـا : الـغـدة الـنـخـامـيـة : وتـقـع وراء أعـلـى الأنـف ولإفـرازتـهـا صـلـة وثـيـقـة بـالـنـمـو، فـإن قـلّـت إفـرازتـهـا فـي عـهـد الـطـفـولـة أدت إلـى الـقـزامـة. وإن زادت أدّت إلـى الـعـمـلـقـة. وخـشـونـة الـجـلـد والـنـضـج الـجـنـسـي الـمـبـكـر والـمـيـل إلـى الإعـتـداء.

أ – 2 – الـجـمـلـة الـعـصـبـيـة :
يـعـتـبـر الـمـخ بـمـخـتـلـف أجـزائـه هـو لـوحـة الـقـيـادة الـمـركـزيـة لـلـشـخـصـيـة، ولـلـمـخ وظـائـف عـديـدة ذات أثـر فـعـال فـي الـشـخـصـيـة، مـن هـذه الـوظـائـف نـذكـر الإحـسـاس والـحـركـة، وتـوجـيـه الـنـشـاط الـعـصـبـي والـتـحـكـم فـي إفـرازات الـغـدد وتـوجـيـه الإنـفـعـالات، والـتـدخـل فـي عـمـلـيـات الـعـقـل كـالـتـفـكـيـروالـتـذكـر والإدراك والـتـخـيـل … والـدلـيـل عـلـى أهـمـيـة الـمـخ لـلـشـخـصـيـة أنـه إذ أصـيـب الـمـخ بـأي خـلـل اخـتـلّ تـوازن الـشـخـصـيـة كـكـل واضـطـرب سـلـوكـهـا.
ب – دور الـبـيـئـة :
حـيـن يـولـد الـطـفـل يـجـد نـفـسـه مـنـخـرطـا فـي بـيـئـة جـغـرافـيـا وبـيـئـة إجـتـمـاعـيـة تـمـارس عـلـى شـخـصـيـتـه تـأثـيـرات عـديـدة.
ب – 1 – تـأثـيـر الـبـيـئـة الـطـبـيـعـيـة :
تـعـود الـكـثـيـر مـن الـصـفـات ومـن أسـالـيـب الـتـعـامـل بـيـن الأفـراد إلـى تـأثـيـر الـبـيـئـة الـطـبـيـعـيـة فـي شـخـصـيـاتـهـم. فـالإنـسـان مـعـرض إلـى تـأثـيـر هـذه الـبـيـئـة مـنـذ بـدايـة الـحـمـل، والـدلـيـل عـلـى ذلـك مـا نـلاحـظـه عـلـى بـعـض الأطـفـال مـن تـشـوهـات نـاتـجـة عـن حـوادث تـعـرضـت لـهـا الأم أثـنـاء الـحـمـل، ومـا يـنـتـج عـن تـنـاول بـعـض الأدويـة الـتـي تـتـنـاولـهـا الأم وهـي حـامـل لـهـا تـأثـيـر سـلـبـي عـلـى الـنـمـو الـطـبــيـعـي لـلـطـفـل.
وبـعـد الـولادة يـتـأثـر الـشـخـص مـنـذ صـغـره بـالـعـوامـل الـجـغـرافـيـا والـمـنـاخـيـة والإقـتـصـاديـة الــمــحـيـطـة بـه، وهـذا مـا يـفـسـر لـنـا إخـتـلاف شـخـصـيـة الـبـدوي عـن شـخـصـيـة الـحـضـري، وشـخـصـيـة الـفــلاح عـن شـخـصـيـة الـطـبـيـب والـمـعـلـم، وشـخـصـيـة سـاكـن الـجـبـال عـن شـخـصـيـة سـاكـن الـسـهـول …
كـل ذلـك يـقـف دلـيـلا عـلـى تـأثـيـر الـبـيـئـة الـطـبـيـعـيـة فـي شـخـصــيـة الإنـسـان وتـلـويـنـهـا بـألـوان تـخـتـلـف بـإخـتـلاف الـمـنـاخـات.

ب – 2 – دور الـبـيـئـة الإجـتـمـاعـيـة :
إن الـعـلاقـات الإجـتـمـاعـيـة الـتي يـجـد الـطـفـل نـفـسـه مـنـخـرطـا فـيـهـا مـنـذ الـولادة، والأنـمـاط الـثـقـافـيـة، والـمـعـتـقـدات والـقـيـم الإجـتـمـاعـيـة، والأدوار الـتـي يـمـنـحـهـا لـه الـمـجـتـمـع ابـتـداء مـن الأسـرة إلـى الـمـدرسـة إلـى الـوظـائـف الـمـهـنـيـة، ومـا تـقـوم بـه نـشـاطـات وسـائـل الإعـلام الـمـخـتـلـفـة مـن فـنـيـة وعـلـمـيـة وثـقـافـيـة، كـل ذلـك مـن الـعـوامـل الأسـاسـيـة فـي تـشـكـيـل شـخــصـيـة الإنـسـان وبـنـائـهـا بـنـاء يـتـوافـق والـقـيـم والـعـادات الإجـتـمـاعـيـة الـسـائـدة. ولـذلـك ذهـب أنـصـار الـبـيـئـة إلـى اعـتـبـارهـا هـي الأسـاس فـي تـحـديـد شـخـصـيـة الإنـسـان ولـيـس الـوراثـة.

– اسـتـنـتـاج :

إن الإخـتـلافـات الـسـابـقـة بـيـن أنـصـار الـوراثـة وأنـصـار الـبـيـئـة تـؤكـد أن الـشـخـصـيـة مـحـصـلـة الـعـوامـل الـوراثـيـة والـعـوامـل الـبـيـئـيـة مـعـا، لأنـه إذا كـانـت الـعـوامـل الـوراثـيـة لا تـبـلـغ مـداهـا الـصـحـيـح إلا فـي الـبـيـئـة الـمـنـاسـبـة.
فـإن اكـتـسـاب الـشـخـصـيـة بـدوره مـحـدود بـالـمـعـطـيـات الـوراثـيـة الـثـابـتـة. وهـذا مـا يـفـسـر تـشـابـه الأفـراد فـيـمـا بـيـنـهـم.
وعـلـيـه فـإن اخـتـلاف الأفـراد فـيـمـا بـيـنـهـم يـعـود إلـى اخـتـلاف أجـسـامـهـم و وراثـاتهـم مـن جـهـة، وإلـى اخـتـلاف الـبـيـئـات الـتـي يـعـيـشـون فـيـهـا مـن جـهـة أخـرى، كـمـا يـعـود مـن جـهـة أخـرى إلـى اخـتـلاف تـفـاعـل الـجـانـب الـمـوروث فـيـهـم بـالـمـحـيـط الـخـارجـي.

5 – تـفـاعـل الـشـخـصـيـة و وحـدة الأنـا :

إذا كـانـت الـشـخـصـيـة الـشـاذة هـي الـشـخـصـيـة الـتـي يـتـصـف سـلـوكـهـا بـالإنـحـراف والـخـروج عـن الـمـعـتـاد والمـألـوف مـن الـسـلـوك والـتـصـرف، بـسـبـب أمـراض عـديـدة نـذكـر مـنـهـا :

أ – الـنـوار اسـتـيـنـيـا :
وهـو إعـيـاء عـام لـلـدمـاغ يـشـعـر بـه الـشـخـص دون أي عـمـل مـتـعـب ، ويـكـون الـمـصـاب بـه سـريـع الـغـضـب، عـاجـزا عـن الـتـركـيـز، كـثـيـر الـتـغـيـر.

ب – الـبـسـيـكـاسـتـيـنـيـا :
أوالـعـصـاب وهـو ضـعـف نـفـسـي يــصـيــب الأفـكـار فـيـشـعـر صـاحـبـه بـقـوة تـدفـعـه إلـى فـعـل شـيء رغــمـا عـنـه، مـثـل الـتــأكــد مـن غـلـق الـبـاب، أو جـمـع أرقـام الـسـيـــارات …. إلـخ.

جـ – الـفـصـام :
وهـو إخـتـلال يـفـقـد صـاحـبـه مـعـرفـتـه بـأنـاه،وبـالـعـالـم الـخـارجـي، وهـكـذا فـالـشـخـصـيـة الـمـريـضــة غـيـر الـمـتـوازنـة هـي الـتـي نـجـد صـاحـبـهـا يـسـتـجـيـب بـطـريـقـة جـزئـيـة نـاقـصـة انـدفـاعـيـة أو بـطـريـقـة غـيـر مـعـقـولـة بـسـبـب عـجـزه عـن الـتـألـيـف بـيـن دوافـعـه وتـجـاربـه الـسـابـقـة وبـيـن مـقـتـضـيـات الـمـواقـف الـراهـنـة.
أمـا الـشـخـصـيـة الـسـويـة الـمـتـوازنـة فـهـي الـتـي تـكـون غـيـر مـصـابـة بـهـذه الأمـراض وغـيـرهـا مـن الأمـراض الأخـرى الـمـعـروفـة بـأمـراض الـشـخـصـيـة، وهـي الـتـي يـكـون صـاحـبـهـا قـادرًا عـن إدراك نـواحـي الـمـواقـف الـتـي تـواجـهـه ويـراعـيـهـا جـمـيـعـهـا لـكـي تـتــعـيـن طـبـيـعـة اسـتـجـابـتـه.
وهـي الـتـي يـكـون صـاحـبـهـا مـتـمـيـزا بـالاعـتـدال والـتـوازن فـي اشـبـاع حـاجـاتـه ومـيـولـه وعـواطـف مـحـافـظًـا عـلـى عـلـى سـلامـة نـفـسـه وجـسـمـه مـعـا.
– ويـكـون قـادرا عـلـى الـعـمـل الـمـنـتـج، وعـلـى مـواجـهـة مـشـكـلات الـحـيـاة بـصـورة إيـجـابـيـة.
– ويـكـون قـادرًا عـلـى أداء عـدة وظـائـف وأدوار، ومـالـكـا لـقـدرتـي الـتـمـيـز والـكـف الإداري و ضـبـط الـنـفـس.
وبـصـورة عـامـة الـشـخـصـيـة الـمـتـوازنـة هـي :
الـشـخـصـيـة الـتـي تـتـوازن فـيـهـا جـمـيـع مـكـونـاتـهـا كـتـوازن جـهـاز الـغـدد، وسـلامـة الـجـهـاز الـعـصـبـي وانـتـظـام الـتـركـيـب الـكـيـمـيـائـي، وسـلامـة بـنـيـة الـجـسـم كـلـه، وتـكـامـل وظـائـفـه، بـالإضـافـة إلـى تـوازن الـعـمـل الـتـربـوي الـذي مـورس عـلـيـهـا، وإلـى اتـصـاف سـلـوكـهـا بـالـثـبـات الـنـسـبـي.

6 – الــخــلاصــة :

هـذه خـلاصـة وضـعـت لـمـسـاعـدتـك عـلـى جـمـع أهـم أفـكـار الـدرس فـقـط، ولـذلـك فـهـي لا تـجـعـلـك تـسـتـغـنـى عـن قـراءة الـدرس كـلـه.

أ – الـتـعـريـف الـعـامـي لـلـشـخـصـيـة غـيـر صـحـيـح لأنـه يـربـطـهـا بـالـمـركـز الإجـتـمـاعـي.

ب – لـيـس هـنـاك تـعـريـفـا عـلـمـيـا واحـدا لـلـشـخـصـيـة نـظـرًا لـتـعـقـدهـا، ولـكـن مـعـظـم الـتـعـريـفـات تـتـفـق عـلـى أن الـشـخـصـيـة تـتـمـثـل أسـاسـا فـي ذلـك الـتـفـاعـل الـقـائـم بـيـن مـجـمـوع الـوظـائـف الـنـفـسـيـة والـبـيـولـوجـيـا فـيـمـا بيـنـهـا مـن جـهـة، وفـيـمـا بـيـنـهـا والـعـوامـل الـبـيـئـيـة مـن جـهـة ثـانـيـة.

جـ – الـشـخـصـيـة بـنـاء يـحـقـقـه الـشـخـص عـبـر مـراحـل ولـيـسـت مـعـطـى أولـي.

د – الـطـبـع يـمـثـل مـجـمـوعـة الـوراثـات الـتـي تـلاقـت فـي الـشـخـص، ولـيـس مـنـه مـا هـو مـكـتـسـب.
هـ – الـشـخـصـيـة مـحـصـلـة الـعـوامـل الـوراثـيـة والـعـوامـل الـبـيـئـيـة مـعـا.

و – الـشـخـصـيـة الـمـتـوازنـة هـي الـتـي تـتـوازن فـيـهـا جـمـيـع مـكـونـاتـهـا، الـجـسـم، الـنـفـس، وآثـار الـتـربـيـة.

6 -1 – شـرح بـعـض الـمـصـطـلـحـات والـتـعـريـف بـبـعـض الأعـلام :
أ – الـشـخـصـيـة الـمـوضـوعـيـة : الـشـخـصـيـة كـمـا تـبـدو لـلـغـيـر.
ب – الـشـخـصـيـة الـذاتـيـة : الـشـخـصـيـة كـمـا تـبـدو لـلـذات أي لـصـاحـبـهـا.
جـ – رالـف لـنـتـون LintonR . ( 1893 – 1953 ) مـن عـلـمـاء الأجـنـاس الأمـريـكـيـيـن وضـع نـظـريـة الـشـخـصـيـة الـقـاعـديـة.
د – رونـي لـوسـيـن LesseneR . (1882 – 1954) فـيـلـسـوف فـرنـسـي، ذو نـزعـة عـقـلانـيـة روحـانـيـة، لـه مـسـاهـمـة فـي عـلـم الـطّـبـاع.

7 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

* مــقــالـة.
– الـسّـــؤال :

هـل الـتـقـلـيـد هـو الأسـاس فـي بـنـاء الـشّـخـصـيـة ؟
أم الـمـعـارضـة ؟

8 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذاتـي :

أولا : الـمـقـدمـة :
كـيـف تتـكـون الـشـخـصـيـة فـي مـراحـل تـشـكـلهـا ؟
هـل تـتـكـون بـتـقـلـيـد الـنـاس ؟ أم مـن خـلال مـعـارضـتـهـم وتـجـاوز الأوضـاع الـقـائـمـة ؟

ثـانـيـا : الـتـحـلـيـل :

أ – الـمـوقـف الأول : الـشـخـصـيـة تـتـكـون بـواسـطـة الـتـقـلـيـد كـمـا هـو مـلاحـظ عـلـى الأطـفـال مـثـلا.
ب – الـحـجـة : تـمـثـل الـمـواقـف الاجـتـمـاعـيـة يـسـتـلـزم تـقـلـيـد الـغـيـر فـي الـقـول والـفـعـل، فـالـتـقـلـيـد شـرط ضـروري لـلـتـكـيـف مـع الـمـحـيـط الاجـتـمـاعـي.
جـ – نـقـد الـحـجـة : الـتـقـلـيـد والاتـبـاع يـؤديـان إلـى ذوبـان الـشـخـصـيـة فـي شـخـصـيـات الـغـيـر، والـمـطـلـوب أن تـكـون الـشـخـصـيـة مـسـتـقـلـة لا تـابـعـة.
د – الـمـوقـف الـثـانـي :الـشـخـصـيـة لا تـتـكـون إلاّ عـن طـريـق الـمـعـارضـة.
هـ – الـحـجـة :الـمـعـارضـة تـجـعـل الـشـخـصـيـة مـسـتـقـلـة، والإنـسـان مـن طـبـعـه الـمـيـل إلـى الـتـحـرر والاسـتـقـلال عـن الـمـجـتـمـع وتـنـزع إلـى تـجـاوز الأوضـاع الاجـتـمـاعـيـة.
و – تـقـد الـحـجّـة : الـنـزاعـات الـفـطـريـة وحـدهـا غـيـر كـافـيـة والـتـجـربـة تـؤكـد غـيـاب الـبـيـئـة الاجـتـمـاعـيـة يُـسـلـم إلـى إنـعـدام الـشـخـصـيـة.
ز – الـتـركـيـب : إن تـكـوّن الـشـخـصـيـة يـتـحـقّـق مـن خـلال الـتـقـلـيـد الـلازم لـلـتـكـيـف والـمـعـارضـة الـلازمـة لـلاسـتـقـلالـيـة.
ح – الـحـجّـة : إذا كـانـت الاسـتـعـدادات الـفـطـريـة شـرطـا ضـروريـا لـبـنـاء الـشـخـصـيـة، فـإن وظـيـفـتـهـا مـرهـونـة بـتـوفـر مـعـطـيـات اجـتـمـاعـيـة.

ثـالـثـا : الـخـاتـمـة :
الـتــقـلـيـد وحـده يُـسـلـم إلـى الـتـبـعـيـة لـلآخـريـن، والـمـعـارضـة وحـدهـا تـجـعـل الـشـخـصـيـة مـضـطـربـة غـيـر مـنـظـمـة إذن فـتـكـوّن الـشـخـصـيـة لا يـتـحـقـق إلاّ بـواسـطـة الـتـقـلـيـد والـمـعـارضـة مـعـا.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock