دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

الحرية والتحرر في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

الحرية والتحرر في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

تـمـهـيـد :
نـنـبـهـك قـبـل الـبـدء فـي تـحـلـيـل مـشـكـلـة الـحـريـة، أن سـلـوك الإنـسـان الـيـومـي يـخـتـلـط فـيـه الـفـعـل الـغـريـزي والـفـعـل الـتـعـودي الآلـي، والـفـعـل الإداري.

والـمـطـلـوب مـنـا أن نــمـيـز الـفـعـل الإرادي عـن بـقـيـة الأفـعـال الأخـرى لأنـه هـو الـمـتـعـلـق وحـده بـمـشـكـلـة الـحـريـة.

فـمـا هـي خـصـائـص هـذا الـفـعـل ؟

يـتـمـيـز الـفـعـل الإرادي بـكـونـه دائـمـا يـكـون مـسـبـوقـا بـقـصـد أونـيـة مـبـيـتـة فـالـمـجـرم قـبـل أن يـقـوم بـجـريـمـتـه يـنـوي الـقـيـام بـهـا، ثـم يـخـطـط لـهـا ثـم يـنـفـذهـا.
ويـكـون فـعـلا واعـيـا مـصـحـوبـا بـالـتـفـكـيـر والـتـأمـل الـعـقـلـي، فالـتـخـطـيـط في الـمـثـال الـسـابـق عـمـل عـقـلـي والـتـنـفـيـذ عـمـل إرادي.
الـفـعـل الإرادي فـعـل فـردي يـقـوم بـه صـاحـبـه بـمـحـض إرادتـه وبـاسـتـقـلال عـن الـجـمـاعـة ولـلـفـعـل الإرادي خـاصـيـة أخـرى أسـاســيـة هـو كـونـه فـعـل حـرّ يـفـاضـل فـيـه صـاحـبـه بـيـن الـعـديـد من المـمـكـنـات الاختـيـاريـة، ثم يتـجـه الى أحسـنـهـا وأفضـلـهـا بـالـنـسـبـة إلـيـه.
ولذلك عرفـت الإرادة بأنها ” القصـد الى الفعل أو التـرك مع وعي الأسباب الدافـعـة إليـهـمـا “.
هـذا ويـجـب أن تـلاحـظ هـنـا أن إتـصـاف الـفـعـل الإرادي بـالـحـريـة لايـعـنـي أبـدا أنـه مـسـتـقــل عـن كـل الأسـبـاب و لاهـو بـالأمـر الـتـحـكـمـى الـذي لاقـاعـدة لـه ولامـرجـع وإنـمـا هـو مـبـنـي أسـاسـا عـلـى مـعـرفـة الأسـبـاب الـمـرجـعـيـة، وصـادر عـن ذواتـنـا.
يـقـول هـارمـان : ” فـي كـل لـحـظـة نـقـف وجـهـا لـوجـه أمـام هـذا الـسـؤال مـاذا يـنـبـغـي أن نفعـل ؟ فكـل موقـف جـديـد يسـتـحـضـر ويلـزم أن نـجـيـب فـي الـحـيـاة خـطـوة خـطـوة ولاتـوجـد قـوة تـسـتـطـيـع أن تـخـلـصـنـا مـنـه. وهـكـذا أمـام هـذا الـسـؤال يـلـزم كـل فـرد نـفـسـه ويـقـوم بـالـفـعـل وحـده ومـن ذات نـفـسـه، واذا أخـطـأ فـإنـمـا هـو وحـده يـتـحـمل مسـؤولـيـة الـذنـب “.
هـذا هـو الـفـعـل الإرادي وتـلـك خـصـائـصـه فـهـل نـحـن حـقـا أحـرار فـيـه ؟ أم نـحـن مـسـخـرون فـيـه لـقـوة خـارجـيـة تـسـيـرنـا كـمـا تـريـد هـي لا كـمـا نـريـد نـحـن ؟

مـــلاحــظــة :
إن الـدرس كـلـه سـيـكـون مـحـاولـة للإجـابـة عـلـى هـذا الـسـؤال فـاقـرأه جـيـدا، وادرسـة دراسـة جـادة.

1 – ضـبـط تـصـوّر الـحـريـة :

لـضـبـط تـصـور الـحـريـة سـنـتـعـرض لـلـمـفـهـوم الـتـلـقـائـي الـعـامـي لها، ثـم إلـى حـريـة الـلامـبالاة، ثـم نـسـتـنـتـج الـمـعـنـى الـصـحـيـح للـحـرية.

أ – الـمـفـهـوم الـعـامـي لـلـحـريـة :
يـعـتـقـد الـعـامـة مـن الـنـاس أن الـحـريـة هـي تـجـاوز كـل إكـراه، أو هـي الـقـدرة عـلـى فـعـل مـانـشـاء دون أيـة قـيـود، فـمـعـنـى عـبـارة أنـا حـر فـي هـذا الـمـفـهـوم تـعـنـي أنـنـي إذا أردت فـعـل أي شـيـئ أفـعـلـه ولايـوجـد أبـدا مـا يـعـرقـلـني أو يحول دونـي وهـذا الـفـعـل، أو يـمـنـعـنـي مـن إرضـاء رغباتـي.

مـنـــاقـــشـة :
هـذا الـتـصـور لـلـحـريـة غـيـر صـحـيـح تـمـامـا، لأن الإنـسـان الـذي يـعـمـل مـايـريـد لإرضـاء رغـبـاتـه يـكـون عـبـدا لـشـهـواتـه وأهـوائـه، أو ضـحـيـة لـدوافـعـه والانـسـان الـذي تـتـحـكـم فـيـه دوافـعـه سـيـكـون وحـشًـا لا إنـسـانـا.

ب – الـلاّ مـبـالاة :
اعـتـقـد بـعـض الـفـلاسـفـة أن شـعـورنـا بـالـحـريـة يـؤكـد أن بـعـض أفـعـالـنـا لا تـخـضـع لأي سـبـب مـن الأسـبـاب، فـإرادتـنـا هـنـا حـرة حـريـة مـطـلـقـة تـتـمـثـل فـي الاخـتـيـار الـمـسـتـقــل عـن كـل الـمـؤثـرات داخـلـيـة كـانـت أو خـارجـيـة. يـقـول ديـكـارت ( 1596 – 1650 ) : ” لايـصــح أن أشـكـو مـن أن الـلـه لـم يـهـبـنـي حـريـة اخـتـيـار أو إرادة، ذات حـظ كـاف مـن الـرحـابـة والـكـمـال فـالـواقـع أن تـجـارب وجـدانـي تـشـهـد بـأن لـي إرادة صـافـيـة لاتـحـضـرهـا حـدود ولاتـحـبـسـهـا قـيـود.”
ويـرى تـومـاس ريـد T. Read ” أن لـيـس هـنـاك سـبـب لأفـعـالـنـا سـوى إرادة الـقـيـام بـهـا “.

مـــنــاقـــشــة :
الـقـول بـحـريـة الـلامـبـالاة مـتـنـاقـض مـع نـفـسـه لأن الإنـسـان الـحـرّ حـريـة مـطـلـقـة هـو إنـسـان غـيـر حـر فـي الـحـقـيـقـة إن الـقـائـلـيـن بـهـذه الـحـريـة يـعـتـمـدون فـي حـجـجـهـم عـلـى الـشـعـور ولـكـن هـل الـشـعـور صـادق دائـمـا ؟. إن الـشـعـور مـضـلـل لايجـوز الاعتـمـاد علـيـه وهـو وإن كـان شـرطـا ضـروريـا إلاّ أنـه غـيـركـاف ثـم إذا كـنـا نـقـوم بـأفـعـالـنـا دون أسبـاب كـمــا يـقـولـون، فـكـيـف نـقـوم بـهـا آلـيـا ؟ . إن هـذا تـنـاقـض صـارخ.

جـ – مـعـنـى الـحـريـة :
إن الـحـريـة الـتـي نـقـصـد هـنـا لـيـسـت حـريـة اللاّمـبـالاة، ولاهـي تـجـاوز كـل نـوع مـن أنـواع الإكـراه. إنـمـا هـي حـريـة الارادة الـتـي تـعـنـي ” الـقـدرة عـلـى انـتـخـاب أحـد الـمـمـكـنـات مـن غـيـر أن يـكـون الـتـنـبـؤ بـنـتـيـجـة هـذا الانـتـخـاب مـمـكـنـا.”.
ولـهـذه الـحـريـة شـروط مـنـهـا : أن تـعـنـي جـواز الـفـعـل وإمـكـانـه لاضـرورتـه، وأن يـكـون الـفـعـل الـحـرّ مـسـتـنـدا إلـى دوافـع وبـواعـث تـحــقـق فـكرة الـتـرجيـح. وأن تـكون الإرادة قـادرة علـى ابتـداء الأمور تلقـائيـا وتصـرف المُـريد وفقـا لطبيعته الداخلية التي هي كـيـانـه الـشـخـصـي.

الإشـكـال :
وتـســال الأن هـل حـريـتـنـا بـهـذا الـمـعـنـى مـمـكـنـة ؟ وهـل أفـعـالـنـا الاراديـة قـرارات مـتـحـررة مـن كـل الأسـبـاب ؟ أم نـحـن خـاضـعـيـن فـيـهـا لـقـوى خـارجـيـة عـنّـا ؟

2 – نـفـي الـحــريـة :

ذهـب أنـصـار الـحـتـمـيـة إلـى نـفـي حـريـة الإنـسـان مـؤكـديـن أن الـحـتـمـيـة قـانـون عـام يـشـمـل كـل ظـواهـر الـكـون، ولـيـسـت أفـعـال الإنـسـان سـوى حـوادث مـنـدرجـة ضـمـن الـحـوادث الـطـبـيـعـيـة، ومـا الإنـسـان نـفـسـه سـوى شـيـئ مـن الأشـيـاء خـاضـع لـتـأثـيـرات الـحـوادث، ولايـخـتـلـف عـن هـذه الأشـيـاء إلاّ فـي شـيـئ واحـد كـونـه يـشـعـر بـتـلـك الـحـوادث. وقـد حـاول هـؤلاء تـقـديـم بـراهـيـن لـتـأكـيـد مـوقـفـهـم هـذا هـي :

أ – الـحـتـمـيـة الـبـيـولـوجـيـة :
إن الانـسـان عـلـى مـسـتـوى حـيـاتـه الـبـيـولـوجـية نـجـده حاملا منـذ ولادته لمـعـطـيـات وراثيـة، وله مزاج ذو خصائص معـينـة ثابـتـة، وما طـبـعه في رأيهـم سوى تحـدّد فطري، والبيئـة الـبـيولوجـية لأي شخص لاتنـمو وتتكـامل إلا حسب قانون مـعـيـن.

مــنـاقــشــة :
ان الإنـسـان لـيـس جـسـمـا فـقـط وسـلـوكـه لايـرجـع إلـى الـتـغـيـرات الـفـزيـولـوجـيـة وحـدهـا، ثـم أن الإنـسـان لـيـس شـيـئـا مـن الأشـيـاء الـطـبـيـعـيـة فـهـو قـادر عـلـى الـتـحـكـم فـي طـبـعـه، وقـادر عـلـى خـداع الـمـراقـبـيـن لـسـلـوكـه، وعـلـى تـغـيـيـر عـاداتـه ولـذلـك لايـمـكـنـنـا الـتـنـبـؤ بـمـسـتـقـبـل سـلـوكـه.
ونلاحظ مـن جهـة أخـرى أن تطبـيـق الحتـمـيـة الفـيـزيـائـيـة علـى الظـواهرالـفـيزولـوجـيـة بـالاعـتـمـاد عـلـى مـبـدأ أو قـانـون ( بـقـاء الـطـاقـة ) الـذي يـنـص عـلـى أن الـمـادة أزلـيـة أبـديـه، والـقـائـل بـبـقــاء الـطـاقـة خـلال تـحـولاتـهـا بـحـيـث تـكـون كـل ظـاهـرة صـورة جـديـدة لـطـاقـة سـابـقـة أمـر لايـصـدق إلاّ فـي إطـار الـنـظـام الـمـغـلـق، أي ( إنـاء مـعـلـوم الـطـاقـة لاتـدخـل فـيـه ولاتـخـرج مـنـه طـاقـة أثـنـاء الـتـجـربـة ).
وعـلـيـه فـهـذا الـقـانـون لا سـبـيـل إلـى تـطـبـيـقـه عـلـى الـطـبـيـعـة كـلـهـا لا سـتـحـالـة تـقـديـر طـاقـات الأحـيـاء، وتـقـديـر اسـتـجـابـاتـهـا لـلـتـأثـيـرات ولاسـتـحـالـة قـيـاس الـظـواهـر الـوجـدانـيـة لـدى الـحـيـوان ولـدى الإنـسـان.

ب – الـحـتـمـيـة الـنـفـسـيـة :
زعـم أنـصـار هـذه الـحـتـمـيـة أن الـظـواهـر الـنـفـسـيـة مـقـيـده بـالـعـوامـل الـعـضـويـة والـمـؤثـرات الـخـارجـيـة. وأن الأحـوال الـنـفـسـيـة مـقـيـدة بـبـعـضـهـا الـبـعـض. فـهـي إذن تـجـري عـلـى نـظـام واحـد مـحـدود بـهـذه الـعـوامـل، وبـقـانـون الـتـداعـي. ولـذلـك أرجـعـت الـمـدرسـة الـتـرابـطـيـة الـسـلـوك الـى الأفـعـال الـمـنـعـكـسـة، وتـأثـيـر الـمـنـبـهـات وأرجـعتـه مدرسـة الـتـحلـيل الـنـفـسـي إلـى الـغـرائـز والـدوافـع الـلاشـعـوريـة.

مــنـــاقــشــة :
نـلاحـظ أولا أن الإنـسـان لـيـس مـجـرد حـزمـة مـن الـغـرائـز والـدوافـع، وأنـه قـادر عـلـى الـتـحـكـم فـي دوافـعـه وعـواطـفـه كـمـا هـو مـلاحـظ فـي الـواقـع. وحـتـى إذا افـتـرضـنـا خـضـوع الـحـيـاة الـنـفـسـيـة لـقـوانـيـن فـإن ذلـك لايـمـنـع مـن الـتـحـكـم فـيـهـا وتـنـظـيـمـهـا وفـق نـتـائـج مـرغـوبـة ومـقـصـودة فـنـحـن نـتـحـكـم فـي انـفـعـالاتـنـا كـالـغـضـب والـقـلـق … ونـسـتـطـيـع الاختـيـار بـيـن عـدة دوافـع وتـفـضـيـل بـعـضـهـا عـن الـبـعـض الآخـر.

جـ – الـحـتـمـيـة الاجـتـمـاعـيـة :
يـرى أنـصـارهـا أنّ الإنـسـان بـمـجـرد خـروجـه إلـى هـذا الـعـالـم يـجـد نـفـسـه مـرتـبـطـا بـأسـرة مـعـيـنـة، أو مـجـتـمـع مـعـيـن وحـضـارة وتـاريـخ مـحـدديـن لـلـمـجـتـمـع. ولـذلـك فـهـؤلاء أكـدوا أن سـلـوك الإنـسـان خـاضـع لـقـوانـيـن إحـصـائـيـة ثـابـتـة كـالـزواج والـطـلاق والـعـمـل عـلـى تـوفـيـر الـغـذاء ومـا إلـي ذلـك.

مــنــاقـــشــة :
الـواقـع يـبـيـن أن الـمـجـتـمـع بـالـرغـم مـن الـضـغـوط الـعـديـدة الـتـي يـحـد بـهـا مـن حـريـة الإنـسـان إلا أنـه يـتـرك لـه مـجـالات واسـعـة تـمـكـنـه مـن الاخـتـيـار الـحـر.
كـمـا أن الإحـصـاءات لاتـهـدم الـحـريـة الـفـرديـة لأن أهـمـيـتـهـا تـبـدو واضـحـة، فـكـثـيـرا مـن الـمـجـتـمـعـات غـيـرهـا أفـراد كـالـعـظـمـاء والـمـعـلـمـيـن والـزعـمـاء، فـهـؤلاء هـم الـذيـن يـؤثـرون فـي الـمـجـتـمـعـات ويـدفـعـونـهـا إلـى الـتـغـيـيـر ولـيـس الـعـكـس.

د – الـحـتـمـيـعـة الـطـبـيـعـيـة :
اعـتـبـر أنـصـار الـحـتـمـيـة الـطـبـيـعـيـة سـلـوك الإنـسـان وأفـعـالـه مـجـرد حـوادث مـنـدرجـة ضـمـن سـلـسـلـة الـحـوادث الـطبـيـعـيـة، ولـمـا كـانـت ظـواهـر الـعـالـم الـطـبـيـعـي – كـمـا بـيـّن الـعـلـم – مـقـيـدّة تـقـيّـيـدا دقـيـقـا تـؤدي فـيـه الأسـبـاب نـفـسـهـا إلـى الـنـتـائـج ذاتـهـا بـاسـتـمـرار كـمـا هـو الـحـال فـي تـمـدد الـحـديـد فـكـلـمـا سـخـن الـحـديـد تـمـدد. فـإن سـلـوك الإنـسـان بـاعـتـبـاره جـزءا أو ظـاهـرة مـن ظـواهـر الـكـون
يــخـضـع بـدوره لـهـذه الـحـتـمـيـة أو هـذا الـتـقـيـد. لأن فـعـل الإنـسـان فـي رأيـهـم لـيـس سـوى تـعـبـيـرا عـن الـبـاعـث الأقـوى يـقـول لـيـبــنـز ( 1646 – 1716 ) : الارادة إذ تـخـتـار تـمـيـل مع أقوى الدواعـي أو البـواعـث أثرا في الـنـفـس، كـمـا تـمـيـل إبـرة الـمـيـزان إلـى جـهـة الـثـقـل.
ويـذهـب سـبـبـنـوزا (1637 – 1677) نفس المـذهـب حيـث يؤكـد أن حريـة الإنسـان تتجـلـى في قبـوله الحتمـيـة الـتـي يـخـضـع لـهـا الـكـون ويـخـضـع لـهـا هـو بـوصـفـه جـزءا مـن الـكـون.

مـــنــاقــشــة :.
الـقـول بـالـحـريـة لايـتـنـافـى أبـدا مـع الـحـتـمـيـة ولامـع مـبـدأ الـسـبـبـيـة وذلـك لأن أولا : مـبـدأ الـحـتـمـيـة مـجـردا فـتـراض أو مـسـلـمـة مـفـيـدة فـي غـيـر مـجـال الإنـسـان وثـانـيـا : لأن الـفـعـل الـحـر لايـنـفـي الـسـبـبـيـة لأنه هـو نفـسـه معـلـول بـعـلـة هـي (الإنـسـان ).

هـ – الـجـبـريـة :
يـرى الـجـبـريـون أن مـصـيـر الإنـسـان مـحـدّد مـنـذ الأزل مـن طـرف الـخـالـق وعـلـيـه فـكـل مـا يـفـعـلـه الإنـسـان مـحـدد مـن قـبـل بـعـلـم الـلـه السـابـق وقـدرتـه الـمـطـلـقـة. أمـا الـقـول بـحـريـة الإنـسـان فـمـعـنـاه اسـتـقـلال الإنـسـان عـن الـلـه، ومـتـى اسـتـقـل الإنـسـان عـن الـلـه لـم يـعـد الـلـه إلـهًـا، وإذن فـالإنـسـان مـقـيـد غـيـر حـرّ يـقـول جـهـم بـن صـفـوان : ” إنـه لا فـعـل لأحـد فـي الـحـقـيـقـة إلاّ الـلـه، وأنـه هـو الـفـاعـل، وأن الـنـاس إنـمـا تـنـسـب إلـيـهـم أفـعـالـهـم عـلـى الـمـجـاز كـمـا يـقـال تـحـركـت الـشـجـرة، ودارالـفـلـك، وزالـت الـشـمـس، وإنـمـا فـعـل ذلـك بـالـشـجـرة والـشـمـس والـفـلـك الـلـه سـبـحـانـه وتـعـالـى. إلاّ أنـه خـلـق لـلإنـسـان قـوة كـان بـهـا الـفـعـل، وخـلـق لـه إرادة واخـتـيـارا لـه مـتـفـردا بـذلـك كـمـا خـلـق لـه طـولا كـان بـه طـويـلا ولـونـا كـان بـه مـتـلـونـا.”

مــنــاقـــشــة :
إن نفـي حـريـة الإنـسـان إنمـا هـو إعـدام لـه، وقـتـل لمـبـادراتـه، وشل لإرادته، إنه دعـوة إلى الجـمـود والاتكـال والكـسـل. هذا بالإضافـة الـى أن حريـته لاتتــنــافـى أبدا مع علـم الـلـه سـبحـانـه وتعالـى وقـدرتـه المـطـلـقـة، لأن الإنـسـان حيـن يخـتـار أو يـنـفـذ أحد المـمـكـنـات التـي اخـتـارها بـحـريـتـه لايـخـرج بـهـا عـن علـم الـلـه مـادام الـلـه يـعـلـم كـل الـمـمـكـنـات.
ثـم إن هـنـاك فـرق بـيـن إرادة الـلـه وأمـره ورضـاه فـالإرادة لاتـسـتـلـزم الأمـر ولاالـرضـى فـإذا كـان الـلـه قـد خـلـق الـشَّـر فـإنـه لا يـأمـر بـه ولايـرضـاه لـعـبـادة.

3 – إثـبـات الـحـريـة :

رفـض فـلاسـفـة ومـفـكـرون أخـرون الـقـول بـخـضـوع الإنـسـان لـلـحـتـمـيـة وأكـدوا حـريـتـه مـؤيـديـن مـوقـفـهـم هـذا بـعـدة بـراهـيـن هـي :

أ – الـبـرهـان الـنـفـسـي :
يـرى أصـحـاب هـذا الـبـرهـان أن الـدلـيـل الـمـبـاشـر عـلـى وجـود الـحـريـة هـو شـهـادة الـشـعـور وشـهـادتـه عـبـارة عـن تـجـربـة حـيـة لاتـحـتـاج إلـى بـرهـان فـقـد أكـد الـمـعـتـزلـة أن الإنـسـان ” يـحـس مـن نـفـسـه وقـوع الـفـعـل عـلـى حـسـب الـدواعـي والـصـوارف، فـإذا أراد الـحـركـة تـحـرك، وإذا أراد الـسـكـون سـكـن. ومـن أنـكـر ذلـك جـحـد الـضـرورة، فـلـولا صـلاحـيـة الــــــقـدرة الـحـادثـة لإيـجـاد الـمـراد لـمـا أحـس مـن نـفـسـه ذلـك “. ويـرى ( ديـكـارت ) : ” أنـنـا لانـخـتـبـر حـريـة الإرادة إلاّ عـن طـريـق شـعـورنـا الـمـبـاشـر “. أمّـا ( ولـيـم جـيـمـس ) فـإن الإرادة عـنـده قـائـمـة بـذاتـهـا بـشـهـادة تـجـربـة الـشـعـور بـأفـعـالـنـا.

مــنــاقــشــة :
إذا كـان الـشـعـور بـالـحـريـة شـرطـا ضـروريـا، فـإنـه شـرط غـيـر كـاف، خـصـوصـا وأنـه كـثـيـرا مـا يـضـلّـلـنـا فـيـشـعـرنـا بـأنـنـا أحـرارا، ثـم لانـلـبـث أن نـكـتـشـف أنـنـا كـنـا نـعـيـش فـي وهـم. فـالـشـعـور كـمـا يـشـعـرنـا بـالـحـريـة يـشـعـرنـا أيـضـا بـالـحـتـمـيـة ولـذلـك لايـمـكـنـنـا الاعـتـمـاد عـلـيـه فـي الـبـرهـنـة عـى وجـود الـحـريـة.

ب – الـبـرهـان الأخـلاقـي :
قـال الـمـعـتـزلـة بـقـدرة الإنـسـان عـلـى خـلـق أفـعـالـه، وبـيـّـنـوا أن نـفـي الـحـريـة يـسـتـلـزم إبـطـال الـتـكـلـيـف، ونـفـي الـمـسـؤولـيـة، إذ لايـعـقـل أن يـسـأل الـمـرء عـن أفـعـال هـو مـجـبـور عـلـيـهـا بـالـطـبـع. إن الـمـعـتـزلـة كـمـا يـبـيـن ذلـك ( الـشـهـر سـتـانـي ) يـؤكـدون عـلـى أن الـتـكـلـيـف عـامـة يـطـلـب مـن الـمـكـلـف الـفـعـل أو الـتـرك فـإذا
كـان الـمـكـلـف عـاجـزا عـن الـتـنـفـيـذ كـان تـكـلـيـفـه سـفـهـا ومـتـنـاقـضـا. وأمـا إذا كـان الـتـكـلـيـف طـلـبـا مـمـكـنـا صـدوره مـن الـمـكـلّـف فـلا بـدّ أن يـكـون لـه الـخـيـار فـي فـعـلـه أوتـركـه، إذ لايـصـح أن نــقــول لـلـعـاجـز عـن الـفـعـل ( افـعـل ولاتـفـعـل ).
وقـد ارتـبـط الـبـرهـان الأخـلاقـي أيـضـا بـالـفـيـلـسـوف ( كـانـط Kant ) الـذي يـرى أن تـأسـيـس الأخـلاق غـيـر مـمـكـن إذا لـم نـسـلـم بـوجـود الـحـريـة، لأن عـدم الـتـسـلـيـم بـالـحـريـة يـعـنـى هـدم الأسـاس الـذي يـقـوم عـلـيـه الـواجـب الأخـلاقـي، الـمـلـقـى عـلـى عـاتـق الإنـسـان والـذي يـتـطـلـب قـدرة الإنسـان علـى الـقـيـام به يقـول كانـط : ” إذا كان يجـب علـيـك فأنـت تسـتـطـيـع “.

مــنــاقــشــة :
إن بـحـث الـمـعـتـزلـة فـي الإنـسـان جـاء مـنـصـبـا أكـثـر عـلـى الإنـسـان الـمـثـالـي الـمـجـرد الـمـتـصـوّر عـقـلا. لـذلـك وضـعـوا الـحـريـة فـي زمـن مـاقـبـل الـفـعـل، فـي حـيـن أن مـشـكـلـة حـريـة الإنـسـان الـواقـعـي مـطـروحـة عـلـى مـسـتـوى الـفـعـل، وفـي
الـمـواقـف الـتـي يـواجـهـهـا فـي حـيـاتـه. كـمـا أنّ الـتـكـلـيـف عـنـدهـم مـتـعـلـق بـالـحـريـة الأخـلاقـيـة، الـتـي لاتـعـنـي كـل حـريـة الإنـسـان.
أمـا كـانـط فـقـد اشــتـرط الـتـسـلـيـم بـالـحـريـة حـتـى لاتـتـهـدم الأخـلاق، وفـكـرة الـتـسـلـيـم لاتـكـفـي لـلـبـرهـنـة عـلـى وجـود الـحـريـة، لأنـنـا نـسـتـطـيـع الـتـسـلـيـم بـعـدم وجـود الـحـريـة كـمـا نـسـتـطـيـع الـتـسـلـيـم بـوجـودهـا. ولـعـل هـذا هـو الـذي دفـعـه إلـى الـقـول بـأن الـعـقـل الـنـظـري يـعـجـز عـن الـبـرهـنـة عـن الـحـريـة لـتـكـافـؤ أدلـة الإثـبـات والـنـفـي، ولـذلـك لابـد مـن نـقـلـهـا إلـى الـعـقـل الـعـمـلـي الـذي يـضـطـر إلـى الـتـسـلـيـم بـهـا لـبـنـاء الأخـلاق.

جـ – الـبـرهـان الإجـتـمـاعـي :
الـدلـيـل عـنـد أصـحـاب هـذا الـبـرهـان ومـنـهـم أصـحـاب الـمـدرسـة الاجـتـمـاعـيـة الـفـرنـسـيـة بـزعـامـة دوركـهـايـم Durkheim ( 1858 – 1917 ) هـو سـن الـشـرائـع ووضـع الأنـظـمـة الاجـتـمـاعـيـة.
فـالـحـيـاة الاجـتـمـاعـيـة تـسـتـلـزم الـحـريـة الأخـلاقـيـة، وإلاّ لـمـا تـمـكـن الـنـاس مـن عـقـد الـعـقـود، ووضـع الـقـوانـيـن الـمـنـظـمـة لـلـعـلاقـات الاجـتـمـاعـيـة، والـمـحـدّدة لـلـجـزاءات، فـلـو لـم يـكـن الإنـسـان حـرّا لـمـا كـان مـسـؤولا ولامـسـتـعـدا لـتـحـمـل الـجـزاء.

مــنــاقــشــة :
هـذا الـبـرهـان بـدوره يـعـتـمـد عـلـى الـشـعـور بـالـحـريـة أثـنـاء الـعـقـود والـشـعـور لايــكـفـي لـلـتـدلـيـل عـلـى الـحـريـة فـهـو صـالـح لإثـبـات الـحـريـة وإثـبـات الـحـتـمـيـة مـعـا، إذ لامـعـنـى لـلـعـقـد إذا لـم يـتـقـيـد أصـحـابـه بـه وبـشـروطـه.

د – الـبـرهـان الـمـيـتـافـيـزيـقـي :
يـؤكـد هـذا الـبـرهـان أن الإرادة تـمـيـل بـالـضـرورة الـى الـخـيـر وجـذب الـخـيـر لـهـا يـخـتـلـف مـن الـخـيـر الـنـاقـص الـنـسـبـي إلـى الـخـيـر الأسـمـى الـمـطـلـق، فـإذا كـان الـخـيـر كـامـلا مـطـلـقـا أثـر فـي الإرادة تـأثـيـر مـطـلـقـا فـتـنـدفـع نـحـوه انـدفـاعـا تـلـقـائـيـا ضـروريـا. أمـا إذا كـان نـسـبـيـا فـان رغـبـة الإرادة فـيـه تـكـون نـسـبـيـة نـاقـصـة. وأصـبـح فـي إمـكـان الإنـسـان الـحـكـم عـلـى هـذا الـخـيـر بـعـدم الـخـيـريـة، فـيـرغـب عـنـه أو بـالـخـيـريـة فـيـرغـب فـيـه، ولـمـا كـان الإنـسـان لايـجـد أمـامـه فـي الـحـيـاة الـواقـعـيـة سـوى الـخـيـرات الـنـسـبـيـة الـتـي يـسـتـطـيـع أن يخـتـار بـيـنـهـا، ويـفـضـل بـعـضـهـا عـن الآخـر فـهـو حـر ولـيـس مجــبـرا.

الـنـتـيـجـة :
إن الانـسـان كـمـا يـبـدو مـن خـلال هـذه الـبـراهـيـن حـرّ لـكـن حـريـتـه لاتـقـوى عـلـى تـغـيـيـر الـقـوانـيـن الـطـبـيـعـيـة، بـل هـي مـضـطـرة إلـى مـراعـاتـهـا، وإلـى مـراعـاة ظـروفـه وحـيـاتـه الاجـتـمـاعـيـة وظـروف عـصـره وإمـكـانـيـاتـه هـو.

4 – الـحـريـة والـتـحـررّ :

يـبـدو أن الـبـحـث الـنـظـري الـخـاص بـإثـبـات وجـود الـحـريـة وبـيـان حـقـيـقـتـهـا لايـنـتـهـي إلـى حـل لـلـمـشـكـل بـقـدر مـايـزيـد فـي تـوسـيــعـه وتـعـقـيـده، ولـذلـك اتـجـهـت الـفـلـسـفـة الـمـعاصـرة إلـى الـفـعـل الـحـرّ ذاتـه كـمـا هـو فـي حـيـاة الإنـسـان مـع الاهـتـمـام بـمـسـتـقـبـلـه لابـمـا ضـيـه. فـالـحـريـة فـي الـفـلسـفـة الـمـعاصـرة لـيـسـت مـشـكـلـة نـظـريـة بـقـدر مـاهـي مـمـارسـة عـمـلـيـة لـلـفـعـل الـحـر وتـسـتـهـدف تـكـيـيـف الـمـواقـف والـظروف الـتـي يـرتـبـط بـهـا الـفـرد مـن جـهـة وتـعـمـل عـلـى تـكـيـيـفـه مـع واقـعـه مـن جـهـة أخـرى بـحـيـث لايـفـقـد انـسـجـامـه مـعـه، وإذن فـالـمـهـم هـنـا هـو الاهـتـمـام بـالانـسـان الـفـرد الـحـي الـذي يـعـيـش بـيـنـنـا ومـا يـحـيـط بـه مـن ظـروف اجـتـمـاعـيـة وسـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة …الخ. وضـغـوط نـاتـجـة عـن سـلـطـة الـمـجـتـمـع عـلـيـه. وقـد اهـتـمـت بـعـض الـفـلـسـفـات بـهـذه الـمـسـألـة كـالـفـلـسـفـة الـمـاركـسـيـة والـوجـوديـة، والـفـلـسـفـة الـروحـيـة عـنـد بـرغـسـون .

أ – الـنـظـريـة الـمـاركـسـيـة :
يـرى الـمـاركـســيـون أنـه إذا كـان الـمـطـلـوب مـن الإنـسـان فـي هـذا الـعـصـر هـو تـحـويـل الـعـالـم وتـطـويـره لاتـفـسـيـره فـإن الـنـضـال مـن أجـل الـحـريـة يـجـب أن يـأخـذ اتـجـاهـيـن هـمـا :
الأول : الـنـضـال مـن أجـل حـريـة الـعـامـل ضـد قـوة الـمـال وتـحـقـيـق الـحـريـات الـمـذهـبـيـة.

الـثـانـي : الـنـضـال مـن أجـل تـحـريـر الإنـسـان عـن طـريـق الـعـلـم أي ضـد الـحـتـمـيـة الـطـبـيـعـيـة، ولـذلـك أكـدوا أن الـسـبـيـل الـوحـيـد لـلـتـحـرر مـن الـضـرورة هـو مـعـرفـة الـضـرورة أو الـقـوانـيـن الـمـوضـوعـيـة الـثـابـتـة ثـم الـعـمـل وفـق هـذه الـمـعـرفـة لـتـطـويـر الـمـجـتـمـع والـفـكـر والـتـحـكـم فـي الـطـبـيـعـة.

مــنــاقــشــة :
إن مـعـرفـة الـضـرورة غـيـر كـافـيـة لـتـحـقـيـق الـتـحـرر إذا لـم تـكـن مـصـحـوبـة بـشـروط أخـرى كـمـعـرفـة الإنـسـان لـنـفـسـه وقـيـمـه الـسـيـاسـيـة والإيـمـان بـهـا، لأن الـعـلـم سـلاح ذو حـدّيـن.
ثـم مـا الـفـائـدة مـن تـغـيـيـر الـتـاريـخ كـمـا يـدعـونـا مـاركـس واتـبـاعـه إذا كـان الـتـاريـخ نـفـسـه كـمـا يـؤكـد ذلـك خـاضـعـا لـحـتـمـيـة مـطـلـقـة.

ب – الـحـريـة عـنـد سـارتـر : يـرى الـفـيـلـسـوف الـوجـودي الـفـرنـسـي سـارتـر أن حـيـاة الإنـسـان الـفـرد عـبـارة عـن مـشـروع أسـاسـي لـه لايـكـف عـن مـراجـعـتـه وتـعـديـلـه، فـوجـود الإنـسـان وجـود مـتـحـرك نـحـو الـمـسـتـقـبـل ومـتـجـاوز لـذاتـه بـاسـتـمـرار، وعـلـيـه فـحـريـتـه هـي مـايـمـيـزه عـن الـوجـود فـي ذاتـه أي وجـود الأشـيـاء.
والـحـريـة عـنـد (سـارتـر ) لـيـسـت صـفـة خـارجـيـة عـن الإنـسـان بـل هـي صـمـيـم وجـوده ولذلـك فنحـن كـما يقول لسنـا أحرارا في رفض حريتنا لأنـه مـحـكـوم عـلـيـنـا أن نـكـون أحـرارًا.

مـنــاقــشــة :
اعـتـمـدت نـظـرة سـارتـر لـلـحـريـة عـلـى نـظـرة مـتـشـائـمـة فـإذا كـان وجـودنـا بـدون حـريـة لامـعـنـى لـه وكـان مـحـكـوم عـلـيـنـا أن نـكـون أحـرارا، أصـبـحـت حـريـتـنـا وكـأنـهـا قـدر مـحـتـوم لا يـمـكـنـنـا أن نـتـفـاداه، وإذا كـنـا أحـرارا دائـمـا وبـاسـتـمـرار فـكـيـف نـمـيـز بـيـن الـحـريـة وعـدمـهـا ؟
ثـم أن الـحـريـة الـمـسـتـقـلـة عـن كـل الأسـبـاب والـدوافـع حـريـة غـيـر مـفـهـومـة تـمـامـا.

جـ – الـحـريـة فـي نـظـر بـرغـسـون :
اعـتـمـد بـرغـسـون فـي إثـبـات الـحـريـة عـلـى تـأمـل الـحـيـاة الـنـفـسـيـة الـداخـلـيـة لاعـلـى دراسـة الـعـالـم الـخـارجـي، وهـو بـذلـك لايـحـطـم سـوى الحتـمـيـة الـمـيـكـانـيــكــيـة وأمـا الـحـتـمـيـة الـعـامـة فـلـم يـبـطـلـهـا.
فـالـفـعـل الـحـر عـنـده لـيـس هـو الـفـعـل الـذي نـخـتـاره بـالـعـقـل لأنـه لا يـدرك الـديـمـومـة. وإذا كـان الـعـقـل لايـتـدخـل فـي مـقـارنـة الأفـعـال، وتـفـضـيـل بـعـضـهـا عـن الآخـر، فـإن حـريـة بـرغـسـون تـبـقـى حـريـة خـيـالـيـة تـابـعـة لـلأوهـام والأحـلام والـغـرائـز أكـثـر مـمـا هـي تـابـعـة لـلـحـيـاة الـنـفـسـيـة الـداخـلـيـة.

اســتــنــتــاج :
مـايـمـكـنـنـا أن نـخـرج بـه مـن هـذا الـنـقـاش الـذي عـشـنـاه مـع الـفـلاسـفـة والـعـلـمـاء فـي مـشـكـلـة حـريـة الإنـسـان هـو :

أولا : إن الـعـلـم الـحـديـث وإن كـان يـقـول بـالـحـتـمـيـة، فـإنـه لايـؤكـد الـحـتـمـيـة الـمـطـلـقـة. ولايـسـلـم بـمـبـدأ الآلـيـة الـمـيـكـانـيـكـيـة تـسـلـيـمـا مـطـلـقـا كـمـا كـان عـلـيـه حـال عـلـمـاء الـقـرن الـتـاسـع عـشـر وأنـه لـم يـعـد يـبـحـث الـيـوم عـن الـعـلـل، بـل اتـجـه إلـى الـبـحـث عـن الـقـوانـيـن وهـو يـرى أن الـتـنـبـؤ الـعـلـمـي مـحـصـور فـقـط فـي الـمـنـظـومـات الـمـغـلـقـة ولـيـس مـمـكـنـا فـي كـل الأحـوال والـمـيـاديـن.
ثـانـيـا : إن الـحـريـة لـيـسـت أمـرا مـطـلـقـا أو خـلـقـا لـشـيـئ مـن شـيـئ، بـل إن الـفـعـل الـحـر فـعـل مـعـقـول يـحـتـاج إلـى الـحـل الـنـظـري والـحـل الـعـلـمـي مـعـا. فـهـو وظـيـفـة نـفـسـيـة تـركـيـبـيـة تـؤكـدهـا الـكـشـوف الـعـلـمـيـة والإبـداعـات الـفـنـيـة وإذن فـالـحـريـة تـسـتـنـد إلـى الحتمـيـة، فالإنسـان لايتـغـلـب علـى الطـبـيـعـة مثلا إذا لم يتـخـذ الـنـظـام والـحـتـمـيـة وسـيـلـة لـه.
وهـكـذا فـالـحـريـة الإنـسـانـيـة، أو حـريـة الإنـسـان كـمـا تـعـتـمـد عـلـى الـمـعـرفـة تـحـتـاج أيـضـا إلـى تـطـبـيـق تـلـك الـمـعـرفـة فـي الـحـيـاة، وهـذا يـتـطـلـب مـعـرفـة لابـالـضـرورة فـقـط بـل وبـالـحـريـة أيـضـا. وإذن فـالـحـريـة لاتـتـحـقـق إلا مـن خـلال مـمـارسـة فـعـل الـتـحـرّر.

5 – الـخــلاصــة :

نـظـرا لـطـول هـذا الـدرس سـنـحـاول أن نـلـخـص أهـم الـقـضـايـا الـتـي تـنـاولـنـاهـا فـيـه لـكـن ذلـك لا يـغـنـي أبـدا عـن دراسـتـك لـلـدرس كـلـه دراسـة جـادة وافـيـة.

أ – عـرضـنـا فـي الـمـطـلـب الأول الـتـعـريـف الـعـامـي لـلـحـريـة، ثـم انـتـقـدنـاه بـسـبـب خـلـطـه بين الحرية الحقـة، والحـريـة الـتـي تـتـجـاوز كـل إكـراه، وهـي حـريـة غـيـر مـمـكـنـة الـتـصـور.
ثـم عـرضــنـا حـريـة الـلاّمـبـالاة وقـلـنـا أنـهـا مـتـنـاقـضـة لـكـونـهـا تقـول بـإطـلاقـيـة الـحـريـة، ولـكـونـهـا لاتـربـط الـحـريـة بـأيـة أسـبـاب أو دوافـع.
ثـم بـيـنـا بـعـد ذلـك أن الـحـريـة الـتـي نـدرسـهـا هـنـا إنـمـا هـي حـريـة الإرادة الـتـي تـعـنـي ” الـقـدرة عـلـى انـتـخـاب أحـد الـمـمـكـنـات مـن غـيـر أن يـكـون الـتـنـبـؤ بـنـتـيـجـة هـذا الانـتـخـاب مـمـكـنـا ” ونـعـنـي بـذلـك أن الـحـريـة تـظـهـر فـي قـدرة الإنـسـان عـلـى اخـتـيـار الـفـعـل عـن رويـة مـع اسـتـطـاعـة عـدم اخـتـيـاره أو اخـتـيـار ضـده.

ب –بعد هذا طرحنـا الإشكـال التقليـدي المـعـروف بالـنـسـبـة للـحـريـة وهو هل الإنسان حـرّ في أفعاله الإرادية ؟ أم مجبر ؟ وعرضـنـا آراء مـن يـنـفـون حـريـة الإنـسـان وشـبـهـهـم وانـتـقـدنـاهـا ( راجـعـهـا بـدقـة وتـبـصـر ) ثـم عـرضــنـا آراء أنـصـار الـحـريـة وحـجـجـهـم ونـاقـشـاهـا.
جـ –وأخـيـرا خلصنـا إلـى أن الإنـسـان حـر فـي أفـعـالـه الإراديـة، لـكـن حـريـتـه لـيـسـت مطلـقـة بـل هي مقـيـدة بقـوانـيـن الطبـيـعـة وبظروفه وأحواله وحالاته النفسـيـة وقدراته الـعـقـلـيـة.

د – بـعـد هـذا نـقـلـنـا مـشـكـلـة الـحـريـة مـن الـمـسـتـوى الـفـكـرى الـنـظـري إلـى الـمـسـتـوى الـعـمـلـي، ووجـدنـا أن الـحـريـة هـنـا كـامـنـة فـي فـعـل الـتـحـرر ذاتـه فـهـي لا تـتـحـقـق لـلإنـسـان إلاّ بـقـدر مـايــسـعـى إلـى مـعـرفـة الـضـرورة ومـعـرفـة الـحـريـة مـن جـهـة وبـقـدرمـا يـعـمـل عـلـى تـجـاوزتـلـك الـضـرورات بـعـد أن يـعـرفـهـا.

5 – 1 – شـرح بـعـض الـمـصـطـلـحـات والـتـعـريـف بـبـعـض الأعـلام :

أ – حـريـة الـلامـبـالاة :
هـي حـريـة اسـتـحـواذ الـطـرفـيـن أو هـي الـتـي يـتـسـاوى فـيـهـا إمـكـان الـفـعـل والـتـرك.

ب – الـحـتـمـية :
مبـدأ يجـعـلـنـا نـعـتـقـد أن جـمـيـع الـحـوادث وخصـوصا الحـوادث الطـبـيـعـيـة خاضـعـة لقـوانـيـن ثـابـتـة، وأن تـكـرار نـفـس الأسـبـاب يـلـزم عـنـه دائـمـا نـفـس الـنـتـائـج.

جـ – الـبـيـولـوجـيـا :
عـلـم يـبـحـث فـي الـكـائـنـات الـحـيـة، ومـا يـجـري عـلـيـهـا مـن حـوادث كـالـنـمـو والـتـكـاثـر، والـتـنـفـس، والـتـكـيـف . . .

د – الـجـبـريـة :
مـذهـب يـؤكـد أصـحـابـه أن مـصـيـر الإنـسـان مـحـدد مـنـذ الأزل وبـالـتـالـي فـهـو مـقـيـد غـيـر حـرّ فـي سـلـوكـه.

هـ – الـمـعـتـزلـة :
تعـتـبـر المـعـتـزلة هي واضـعة علـم الكـلام بـزعامة واصل بن عطاء. وهي فـرقـة توسـعت في اسـتخــدام العقل، واعتمدت في بحوثها على الحجـج والـبـراهـيـن الـمـنـطـقـيـة.

و – الأشـاعـرة :
فـرقـة أخـرى فـي عـلـم الـكـلام يـتـزعـمـهـا أبـو الـحـسـن الأشـعـري، ووضـعـت مـنـهـجـا فـي عـلـم الـكـلام يـعـتـمـد ( الـعـقـل والـنـقـل مـعًـا ).

ز – ديكـارت Descartes – ( 1596 – 1650 ) :
فـلـيـسـوف وريـاضـي فـرنـسـي يـعـد أب الـفـلـسـفـة الـحـديـثـة اشـتـهـر بـمـنـهـجـه فـي الـبـحـث ونـقـده لـمـنـطـق أرسـطـو وهـو أول مـن اكـتـشـف الـهـنـدسـة الـتـحـلـيـلـيـة.

6 – أسـئـلـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

أ – عـلـى أي أسـاس تـرفـض حـّريـة الـلامـبـالاة ؟

ب – مـاهـي حـجـج أنـصـار الـحـتـمـيـة الـبـيـولـوجـيـة ؟

جـ – كـيـف يـثـبـت أصـحـاب الـبـرهـان الأخـلاقـي حـريـة الإنـسـان ؟

د – مـاهـي مـشـكـلـة الـحـريـة فـي الـفـكـر الـفـلـسـفـي الـقـديـم ؟
ومـاهـي مـشـكـلـتـهـا فـي الـفـكـر الـفـلـسـفـي الـمـعـاصـر ؟

أجـوبـة الـتـصـحـيـح الـذاتـي :

أ – حـريـة الاسـتـواء مـرفـوضـة لأنـهـا لاتـربـط حـريـتـنـا بـأيـة أسـبـاب، أو دوافـع تـرجـح اخـتـيـارنـا، ولأنـهـا تـقـول بـالـحـريـة الـمـطـلـقـة، والـقـول بهـا مـتـناقـض، فالإنـسان الـحر حـريـة مـطـلـقـة هـو إنـسـان غـيـر حـرّ تمـامـا.
ولـذلـك فـإن هـذه الـحـريـة لاتـفـسـر الـفـعـل الـحـرّ إلاّ فـي حـالات الاسـتـرخـاء الـنـفـسـي كـحـالـنـا عـنـد الـتـقـلـب عـلـى الـسـريـر.

ب – يـرى أنـصـار الـحـتـمـيـة الـبـيـولـوجـيـة أن حـمـل الإنـسـان لـمـعـطـيـات وراثـيـة مـنـذ ولادتـه، ولـمـزاج لـه خـصـائـص مـعـيـنـة، وأن نـمـو الـجـسـم وتـكـامـلـه وفـق قـوانـيـن مـعـيـنـة خـارجـة عـن إرادة الإنـسـان كـلـهـا شـواهـد عـلـى عـدم حـريـة الإنـسـان.

جـ – عـد الـى الـمـطـلـب رقـم (03) الـبـنـد (ب) وسـتـجـد الـجـواب.

د – كـان الـتـفـكـيـر الـقـديـم يـنـظـر إلـى الـحـريـة عـلـى أنـهـا مـشـكـلـة فـكـريـة تـتـطـلـب إيـجـاد الـبـراهـيـن الـعـقـلـيـة الـمـثـبـتـة أو الـنـافـيـة لـوجـودهـا. أمـا الـيـوم فـإن الـفـكـر الـفـلـسـفـي يـنـظـر إلـيـهـا عـلـى أنـهـا مـشـكـلـة عـمـلـيـة تـقـوم عـلـى الـمـمـارسـة الـلازمـة لـتـحـقـيــق الـتـحرر مـن الـحـتـمـيـات الـمـحـيـطـة بـالإنـسـان.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock