دروس الفلسفة 3AS بكالوريا 2020

إشـكـالـيـّة تـطـبـيـق الـمـنـهـج الـتـّجـريـبـي علـى الـظـّواهـر الإنسانـيّة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي

إشـكـالـيـّة تـطـبـيـق الـمـنـهـج الـتـّجـريـبـي علـى الـظـّواهـر الإنسانـيّة في مادة الفلسفة للسنة الثالثة ثانوي
تـصـمـيـم الـدرس
تـمـهـيـد
( مـفـهـوم الـعلـوم الإنـسانية و الأبعاد الـمخـتلـفة للإنـسان )
1 – طبيـعة الـموضوع والـعوائق الابستمولـوجـيـّة في العلوم

الإنـسـانـيـّة و تـعـدّد الـمـنـاهج :
أ – فـي الـتـّاريـخ.
ب – في علم النـفـس / إشـكـال الـظـواهـر الـنـفـسـيـة و تـعـدد الـمـناهـج.
2 – قـيـمـة الـعـلـوم الإنـسـانـيـّة.
3 – أسـئـلـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.
4 – أجـوبـة الـتّـصـحـيـح الـذّاتـي.



تـمـهـيـد :

شـهـدت الـعـلـوم الـطـّبـيـعيـة تـطـورا زاخـرا نـتـيـجـة تـطـبـيـقـهـا لـلـمـنـهـج الـتـّجـريـبـي، إذ تـمـكـن الـعـلـمـاء مـن إخـضـاع الـظـاهـرة الـفـيـزيـائـيـة، و الـظـاهـرة الـبـيـولـوجـيـة لـلـّجـريـب، و تـمـكـنـوا كـذلـك مـن تـجـاوز قـسـطـا وفـيـرا مـن الـعـوائـق الابـسـتـمـولـوجـيـة خـاصـة تـلـك الـمـتـعـلـقـة بـالـظـواهـر الـحـيـويـة. هـنـاك ظـواهـر أخـرى تـتـعـلـق بـأبـعـاد الإنـسـان الـمـخـتـلـفـة، مـن حـيـث هـو كـائـن يـنـخـرط فـي جـمـاعـة و يـتـفـاعـل مـعـهـا، و قـد تـمـارس عـلـيـه تـأثـرات مـخـتـلـفـة، و مـن حـيـث هـو كـائـن ذو بـعـد تـاريـخـي، يـسـتـفـيـد مـن مـاضـيـة، إنـه لا يـعـيـش فـي الـزمـان فـحـسـب بـل يـعـي هـذا الـزمـان، ويـتـشـوّق إلـى مـعـرفـة مـجـريـات الـحـوادث فـيـه، وهـذا الإنـسـان كـائـن يـزخـر بـجـمـلـة مـن الـمـيـول و الـرغـبـات والانـفـعـالات يـطـمـح إلـى تـفـسـيـرهـا و فـهـمـهـا. جـمـلـة هـذه الـظـواهـر الـمـسـمـاة ” إنـسـانـيـّة “ جـديـرة هـي الأخـرى بـالـدراسـة، فـمـا هـي الأسـبـاب الـمـحـدثـة لها ؟ و هـل هـنـاك إمـكـانـيـة لـلـتـحـكـم فـيـهـا ؟ فـلـمـا تـحـدث ؟ و كـيـف ؟.
لـلإجـابـة عـلـى هـذه الأسـئـلـة وجـب إخـضـاع الـظـاهـرة الإنـسـانـيـّة إلـى الـمـنـهج الـتـّجـريـبـي، لـكـن هـل هـذا مـمـكـن ؟ و هـل هـنـاك تـقـنـيـات إجـرائـيـة تـخـوّل لـلـعـلـمـاء تـطـبـيـق الـمـنـهـج الـعـلـمـي عـلـى الـظـواهـر الإنـسـانـيـّة رغـم تـعـقـّدهـا و تـشـابـكـهـا
و صـعـوبـة مـلاحـظـتـهـا ؟.

1 – طبـيـعـة الـموضوع والعـوائق الابستمولـوجيّـة في العلوم الإنـسـانـيـّة و تـعـدّد الـمـنـاهـج :

تـطمـح الـعـلـوم الإنـسـانـيـة إلـى دراسـة الـواقـع الإنـسـانـي بـحـوادثـه الـمـخـتـلـفـة، لـكـن تـلاقـيـهـا عـوائـق ابـسـتـمـولـوجـيـة بـعـضـهـا يـرجـع إلـى طـبـيـعـة الـمـوضـوع و الـبـعـض الآخـر يـرجـع إلـى صـعـوبـة مـلائـمـة الـمـنـهـج الـعـلـمـي وتـحـقـيـقـه إمـكـانـات الـتـطـبـيـق عـلـى الـظـواهـر الإنـسـانـيـة، مـمـا يـثـيـرعـدة تـسـاؤلات:
– هـل الـمـوضـوعـيـة مـمـكـنـة الـمـنـال فـي مـيـدان دراسـة الـظـواهـر الإنـسـانـيـة ؟
إنـه لـمـن الـسـهـل دراسـة الـحـديـد و الـشـجـر و الـحـيـوان لأنـهـا حـوادث خـارجـة عـنـا، مـسـتـقـلـة عـن مـيـولـنـا و رغـبـاتـنـا، و هـي قـابـلـة لأن تـكـون مـوضـوع تـأمـل حـيـادي، الـذي هـو شـرط ضـروري لـقـيـام الـمـعـرفـة الـعـلـمـيـّة، فـإذا كـان هـذا مـمـكـنـا مـن زاويـة دراسـة الـظـواهـر الـطـّبـيـعـيـة، فـإنـه مـن الـعـسـيـر أن يـكـون بـالـمـثـل فـي مـيـدان الـظـاهـرة الإنـسـانـيـة. الـبـاحـث هـو الإنـسـان بـالـذات بـمـعـنـى أن الـدارس و الـمـدروس شـيء واحـد، فـالـموضـوع هـنـا لـه صـلـة وثـيـقـة بـالـذات الـدارسـة. إن الحـكـم عـلـى الـظـاهـرة الإنـسـانـيـة قـد يـحـمـل فـي طـيـاتـه اعـتـبـارات ذاتـيـة مـشـحـونـة بـطـبـيـعـة الـدارس و تـجـربـتـه و ثـقـافـتـه و نـزواتـه.
– هـل الـمـلاحـظـة غـيـر الـمـبـاشـرة لـيـسـت عـائـقـا أمـام الـعـالـم فـي مـجـال دراسـة الـظـواهـر الإنـسـانـيـة ؟
الـظـواهـر الانـسـانـيـة تـلاحـظ مـلاحـظـة غـيـر مـبـاشـرة كـونـهـا زمـانـيـة لامـكـانـيـة، بـمـعـنـى أنـهـا لا تـشـغـل حـَيـّزا يـمـكـن مـراقـبـتـهـا مـن خـلالـه. فـالـحـوادث الـنـفـسـيـة سـواء كـانـت شـعـوريـة أو لا شـعـوريـة فـهـي تـجـري فـي الـزمـان، و إن أمـكـن مـلاحـظـة انـعـكـاسـاتـهـا عـلـى الـعـضـويـة، كـمـا هـو الـحـال فـي الانـفـعـال الـهـيـجـانـي، هـذه الـمـلاحـظـة غـيـر مـبـاشـرة، و مـهـمـا كـان فـإن الـظـاهـرة شـيء آخـر. كـذلـك بـالـنـسـبـة لـلـحـادث الـتـاريـخـي فـهـو حـادث مـاضٍ، و الـمـؤرخ يـقـف عـلـى لآثـاره مـحـاولا بـذلـك اسـتـجـلاء أمـره.
– هـل يـمـكـن إخـضـاع الـظـاهـرة الإنـسـانـيـة إلـى الـتـّجـريـب ؟..
إن الـعـالـم لا يـمـكـنـه أن يـتـجـرّد مـن الأحـكـام الـمـعـيـاريـة الـتـي قـد تـعـيـقـه عـن تـحـلـيـل الـظـاهـرة و إحـاطـتـهـا بـالـتـفـسـيـر الـمـوضـوعـي.
الـنـظـريـة الـعـلـمـيـّة تـفـرض عـلـيـهـا الـمـلاحـظـة الـواقـعـيـّة، تـفـرض عـلـيـهـا تـفـسـيـر مـا هـو مـوجـود بـالـفـعـل و صـيـاغـة ذلـك فـي أحـكـام تـقـريـريـة، أي اتـصـاف تـفـسـيـراتـنـا هـذه بـالـمـوضـوعـيـة.
و بـالـرغـم مـن وجـود هـذه الـعـوائـق، اسـتـطـاع الـمـخـتـصـّون فـي مـيـدان هـذه الـعـلـوم ابـتـكـار مـنـاهـج مـكـّنـتـهـم اقـتـحـام مـيـدان الـظـواهـر الإنـسـانـيـة، و لازالـت هـذه الـمـنـاهـج مـحـلّ تـطـويـر ومـحـلّ مـواءمـة أكـثـر فـأكـثـر مـع طـبـيـعـة الـظـاهـرة الانـسـانـيـة ذاتـهـا. وسـنـطّـلـع عـلـى الـطـرق الـمـتـّبـعـة فـي مـعـرفـة الـحـوادث الـتـاريـخـيـة و الـحـوادث الـنـفـسـيـة لـنـسـتـبـصـر مـن خـلال ذلـك الـعـوائـق الابـسـتـمـولـوجـيـة وإمـكـانـيـات تـجـاوزهـا.

أ – فـي الـتـاريـخ :
مـوضـوع الـتـاريـخ الـحـوادث الإنسـانـيـة الاجـتـمـاعـيـة الـمـتـسـلـسـلـة عـبـر الـزمـان، و لـلـحـادث الـتـاريـخـي صـفـاتـه الـمـمـيـزة لـه مـن الـحـوادث الـنـفـسـيـة و الاجـتـمـاعـيـة.

1 – إنـّه إنـسـانـي :
و هـذا يـعـنـي أن الـتـاريـخ هـو مـا يـحـدث لـلإنـسـان، فـتـاريـخ الـصـخـور والـبـحـار و الأنـهـار لا يـتـعـرض لـه الـمـؤرخ وإن تـعـرض لـحـادثـة طـبـيـعـيـة فـإنـه لا يـتـنـاولـهـا إلاّ مـن زاويـة تـأثـيـرهـا عـلـى الإنـسـان، فـزلـزالُ الـشـلـف مـثـلا وإن كـان حـادثـة طـبـيـعـيـة، فـإنـه يـدخـل فـي عـداد الـظـواهـر الـتـاريـخـيـة لإنـه أثـّر فـي مـصـيـر مـجـمـوعـة مـن الـسـكـان.

2 – إنـّه اجـتـمـاعـي :
الـشـخـص الـواحـد لا يـسـتـطـيـع أن يـصـنـع الـتـاريـخ إلاّ إذا تـفـاعـلـت أفـكـاره و اتـجـاهـتـه مـع الـجـمـاهـيـر، فـالاشـادة بـالأبـطـال مـرتـبـطـة بـمـدى نـجـاحـهـم فـي الـتـأثـيـر عـلـى الـجـمـاعـة.

3- إنـّه فـريـد مـن نـوعـه :
بـمـعـنـى أنـه يـحـدث مـرة واحـدة، فـالـحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة لـيـسـت هـي الأولـى تـكـرّرت، إذ هـنـاك اخـتـلاف فـي الأسـبـاب و الـنـتـائـج و الأوضـاع والأشـخـاص. .لـكـل حـادث تـاريـخـي زمـانـه و مـكـانـه و هـو لا يـقـع مـرتـيـن بـل مـرة واحـدة لا غـيـر. هـذا بـالإضـافـة إلـى أنـه خـاضـع لـلـمـلاحـظـة غـيـر الـمـبـاشـرة بـاعـتـبـاره مـاضـيـا، إنـنـا نـلاحـظـه مـن خـلال الآثـار الـتـي يـخـلـّفـهـا، سـواء أكـانـت مـخـلـّفـات مـادـيـة أو ثـقـافـيـة.

مـنـهـجـه :
1 – جـمـع الـمـصـادر :
مـن الأعـمـال الـهـامـة الـتـي يـقـوم بـهـا الـمـؤرخ الـحـصـول عـلـى أفـضـل مـادة الـتـي يـبـحـثـهـا، فـهـو يـبـحـث عـن الآثـار الـعـديـدة والـمـتـنـوعـة الـتـي تـدل عـلـى الأحـداث الـمـاضـيـة، و يـنـتـقـي مـنـهـا الـشـواهـد الـتـي تـتـعـلـق بـالـمـشـكـلـة. تـنـقـسـم هـذه الـمـصـادر إلـى إراديـة و هـي الـتـي كـتـبـهـا أصـحـابـهـا لأجـل نـقـل الـحـوادث لـلأجـيـال الـقـادمـة، إنـهـا مـقـصـودة و الـمـصـادر غـيـر الإراديـة خـلـّفـهـا أنـاس دون أي قـصـد تـاريـخـي، و إنـمـا رمـوا مـن وراء ذلـك جـانـب الـمـتـعـة الـجـمـالـيـة، وكـتـاب ” الـبـخـلاء ” لـلـجـاحـظ أو مـقـامـات الـهـمـدانـي كـتـبـت لأغـراض أدبـيـة تـسـتـشـف مـنـهـا صـور حـيـاة الـمـجـتـمـع فـي مـأكـلـه و مـلـبـسـه. و مـثـل هـذه الـمـصـادر تـبـقـى ضـالـة الـمـؤرخ الـمـنـشـودة كـونـهـا تـبـتـعـد مـن الـتـزيـيـف و الـتـحـريـف.

2 – مـرحـلـة الـتـحـلـيـل الـتـاريـخـي :
( الـنـقـد الـخـارجـي و الـبـاطـنـي لـلـوثـائـق )
يـجـب عـلـى الـمـؤرخ أن يـكـون كـيـمـيـائـيـا لـلـتـحـقـق مـن الـوثـيـقـة، إنـه يـفـحـص الـمـادة الـمـكـتـوب بهـا و الـمـادة الـمـكـتـوب عـلـيـهـا. و قـد يـجـد نـفـسـه أمـام سـيـل من الأسـئـلـة: – مـتـى و لـمـاذا ظـهـرت هـذه الـوثـيـقـة ؟ مـن مـؤلـفـهـا ؟ هـل هـذه هـي الـنـسـخـة الأصـلـيـة ؟ هـل كـتـبـهـا هـذا الـشـخـص بـالـذات ؟ أم شـخـص آخـر اسـتـعـار اسـمـه ؟.
و قـد يـتـطـلـبـه أغـلـب الأحـيـان بـذل جـهـود مـرهـقـة و مـاهـرة أشـبـه بـالأعـمـال الـبـولـيـسـيـة لـلـتـحـقـق مـن شـخـصـيـة الـمـؤلـف، أو تـتـبـع أصـول الـوثـائـق الـمـجـهـولـة لـلـكـاتـب أو غـيـر الـمـؤرخـة.
و يـجـب عـلـى الـمـؤرخ أن يـكـون عـالـم نـفـس كـذلـك فـي مـرحـلـة الـنـقـد الـبـاطـنـي لـلـوثـائـق. هـل صـاحـب الـوثـيـقـة كـتـب حـرّا أم مـجـبـَراً ؟
ألـم يـكـتـب بـضـغـط أو إغـراءات ؟ فـهـل عـبـّر عـن مـشـاعـره الـحـقـيـقـيـة ؟ هـل عـالـج الـمـوضـوع بـطـريـقـة جـادّة أم فـكـاهـيـة أو سـاخـرة أو زمـريـة أو مـذهـبـيـة ؟ هـل نـقـل ااـحـادث غـثـّا أو سـمـيـنـا كـمـا قـال ابـن خـلـدون ؟. و الإلـمـام بـالـظـروف الـجـغـرافـيـة والاجـتـمـاعـيـة و الـسـيـاسـيـة والاقـتـصـاديـة الـتـي جـرى فـيـهـا الـحـادث أمـر مـهـم بـالـنـّسـبـة لـلـمـؤرخ، مـهـم لإعـادة تـركـيـب الـحـوادث ذهـنـيـا و مـعـايـرة إمـكـانـيـة وقـوعـهـا أمـام الـمـؤرخ إذن أعـمـال شـاقـة عـلـيـه بـاكـتـسـاب قـدرات مـتـعـددة، إنـه يـحـتـاج إلـى الألـفـة بـفـقـه الـلـغـة و إلـى مـعـلـومـات فـي الانـتـروبـولـوجـيـا وعـلـم الـخـرائـط و عـلـم الـنـقـود و عـلـوم الـخـط و غـيـرهـا. و بـنـاء عـلـى هـذا يـبـذل قـصـارى جـهـده لـتـمـحـيـص الـخـبـر و تـحـقـيـق عـمـل جـلـيـل لـلإنـسـانـيـة.

3 – مـرحـلـة الـتـّركـيـب الـتـاريـخـي :
بـعـد تـحـقـّقـه مـن وقـوع الـحـادث، يـلـجـأ الـمـؤرخ إلـى الـتـّركـيـب. الـحـادث الـتـاريـخـي لا يـروى بـطـريـقـة اعـتـبـاطـيـة، إنـه لا يـكـتـسـي أهـمـيـة تـاريـخـيـة إلاّ بـعـد إدراجـهه فـي سـيـاقـه الـزمـانـي و الـمـكـانـي وتـآلـفـه مـع مـجـمـوع الـحـوادث الـعـامـة.
و كـثـيـرا مـا يـجـد الـمـؤرخ نـفـسـه أمـام فـجـوات، فـتـكـون الـسـلـسـلـة فـاقـدة لإحـدى حـلـقـاتـهـا، و هـا هـنـا و بـالاعـتـمـاد عـلـى الـحـوادث الـسـابـقـة، و الـحـوادث الـلاحـقـة، يـمـلأ الـمـؤرخ هـذه الـثـغـرات الـتـي لـم تـتـحـدث عـنـهـا الـوثـائـق، و لـم يـشـهـد عـلـيـهـا شـاهـد. فـالـمـؤرخ إذن يـجـمـع بـيـن الـحـدس الـعـلـمـي و الـحـدس الـفـنـي، عـلـيـه اتـبـاع مـنـهـجـيـة عـرض راقـيـة تـمـكـنـه تـرتـيـب الـحـوادث حـسـب الـتـسـلـسـل الـزمـنـي لـلـوقـوع، و حـسـب الأسـبـاب والـمـسـبـبـات، مـركـّزاً عـلـى الأسـبـاب الـفـعـالـة، و عـلـى الـحـوادث الـتـي تـعـتـبـر نـقـطـة تـحـوّل فـي حـيـاة الـمـجـتـمـع. و قـد يـضـطـر إلـى تـبـريـر بـعـض الـمـواقـف لأن الـحـادثـة الـتـاريـخـيـة الـواحـدة تـنـتـج عـن سـلـسـلـة مـن الـحـوادث سـبـقـتـهـا، و الـوقـوف عـلـى الـصـلـة الـرابـطـة بـيـن مـخـتـلـف هـذه الأحـداث لـيـس بـالأمـر الـهـيـّن.
لـقـد نـبـّهـنـا ابـن خـلـدون لـذلـك : ” اعـلـم أن الـتـاريـخ فـن عـزيـز الـمـذهـب، جـمّ الـفـوائـد، شـريـف الـغـايـة . . . فـهـو مـحـتـاج إلـى مـآخـذ مـتـعـددة، و مـعـارف مـتـنـوعـة، و حـسـن نـظـر وتـثـبـيـت يـفـضـيـان بـصاحـبـهـمـا إلـى الـحـق و يـنـكـبـان بـه الـمـزلاّت و الـمـغـالـط”.

ب – إشكـالـيّـة الـظـّواهر الـنـّفـسيـّة و تـعـدّد الـمـنـاهـج فـي علـم الـنفـس :

مـوضـوع عـلـم الـنـفـس الـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة، هـذه الـظـواهـر قـد تـّتـخـذ شـكـلا شـعـوريـا، فـلا تـحـدث آثـاراً عـلـى الـعـضـويـة مـثـل الـتـخـيـّل و الـتـّفـكـيـر و الـتـذّكـر،
و مـنـهـا مـا يـتـّخذ شـكـلا فـيـزيـولـوجـيـا بـمـعـنـى أن الـظـاهـرة تـنـعـكـس عـلـى الـعـضـويـة مـثـل ردود الأفـعـال و الانـفـعـالات الـهـيـجـانـيـة كـالـغـضـب و الـخـوف و الـخـجـل. و مـنـهـا مـا يـتـخـذ شـكـلا لا شـعـوريـا لا يـمـكـن الاطـلاع عـلـيـهـا إلاّ بـواسـطـة الـتـحـلـيـل الـنـفـسـي.
و نـظـرا لـتـعـدّد أشـكـال الـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة سـلـك عـلـم الـنـفـس مـنـاهـج مـتـعـددّة و مـخـتـلـفـة مـن أبـرزهـا :

1 – مـنـهـج الاسـتـبـطـان :
و هـو الـمـعـتـمـد فـي دراسـة الـظـواهـر الـشـعـوريـة، غـرضـه فهـم الـحـيـاة الـداخـلـيـة مـعـرفـة مـا يـجـري فـي الـعـالـم الـداخـلـي للإنـسـان.
الاسـتـبـطـان هـو تـأمـل مـوجـه مـن الـذات إلـى أغـوارهـا قـصـد الاطـلاع عـلـى حـوادثـهـا الـداخـلـيـة، إنـه وعـي الإنـسـان نـفـسـه، وعـي يـسـتـلـزم مـعـرفـة الأحـوال الـنـّفـسـيـّة بـواسـطـة أنـا مـتـمـيـز و مـنـفـصـل عـنـهـا. بـالاسـتـنـبـاط تـمـكـن عـلـمـاء الـنـفـس مـن مـعـرفـة الـشـعـور ومـمـيـزاتـه و تـداعـي الـمـعـانـي و قـوانـيـنـهـا و الـعـواطـف
و أنـواعـهـا. و عـلـى الـرغـم مـن الـنـقـد الـذي وُجـّه إلـى هـذا الـمـذهـب، فـإنـه يـبـقـى الـسـبـيـل الـوحـيـد و الأوحـد الـذي هـو بـحـوزتـنـا حـتـى الآن لـمـعـرفـة الـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة ذات الـشـكـل الـشـعـوري الـتـي لا أثـر لـهـا عـلـى مـسـتـوى الـعـضـويـة.

2 – الـمـنـهـج الـتـّجـريـبـي :
و هـو الـمـنـهـج الـمـتـبـع لـلـطـريـقـة الـعـلـمـيّـة : – الـمـلاحـظـة – الـفـرض – الـتـّجـريـب. و هـو يـهـتـم بـالـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة الـتـي تـتـخـذ شـكـلا فـيـزيـولـوجـيـا. يـقـول ( وطـسـون ) زعـيـم الـمـدرسـة الـسـلـوكـيـة : “ بـأنّ دراسـة ردود الـفـعـل الـتـي يـمـكـن أن تـلاحـظ بـشـكـل مـوضـوعـي و الـتـي يـؤديـهـا الـجـسـم جـوابـا مـنـه عـلـى الـمـثـيـرات الـتـي تـخـضـع لـلـمـلاحـظـة و الـمـراقـبـة الـتـي تـأتـيـبـا مـن الـبـيـئـة الـمـحـيـطـة ” و يـعـتـمـد هـذا الـمـنـهـج عـلـى الآلات والأجـهـزة لـلـقـيـاس والـتـسـجـيـل، وابـتـكـر وسـائـل مـخـتـلـفـة لـتـفـسـيـر هـذه الـظـواهـر، كـمـا يـعـتـمـد عـلـى الـمـقـارنـة مـثـلـمـا هـو الـحـال فـي سـلـوك الـطـفـل وسـلـوك الـحـيـوان. و عـلـى الـرغـم مـن اعـتـراف أنـصـار هـذا الـمـنـهـج بـالـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة الـتـي لا انـعـكـاس عـضـوي لـهـا كـمـثـل الـشـعـور الـذي اعـتـبـره ( وطـسـون ) “خـرافـة مـيـتـافـيـزيـقـيـة ” أي لا وجـود لـه، فـإن هـذا الـمـنـهـج حـقـق نـتـائـج مـعـتـبـرة و دفـع عـلـم الـنـفـس أحـسـن دفـع نـحـو الـتـطـور. بـواسـطـة هـذا الـمـنـهـج تـمـكـّن الـعـلـمـاء مـن مـعـرفـة بـعـض أسـبـاب الـهـيـجـانـات مـثـل الـخـوف و الـخـجـل، و كـذلـك أنـواع الـمـنـبـهـات و الاسـتـجـابـات، و كـيـفـيـة تـكـويـن الـعـادات و كـيـفـيـة كـفـّهـا، و مـجـالات بـحـثـه أصـبـحـت خـصـبـة : – سـلـوك الـحـيـوان وسـلـوك الـطـفـل و سـلـوك الـمـراهـق، و الـدوّافـع و غـيـرهـا.

3 – مـنـهـج الـتّـحـلـيـل الـنـفـسـي :
لـقـد بـيـنـّا فـيـمـا سـبـق مـنـهـجـيـن ( الـذاتـي و الـمـوضـوعـي ) فـي دراسـة الـظـاهـرة الانـسـانـيـة الـنـّفـسـيـّة، الأول اقـتـصـر عـلـى الـظـواهـر الـشـعـوريـة، و الـثـانـي عـلـى الـسـلـوك. تـبـقـى ظـواهـر أخـرى قـوامـهـا الـلاشـعـور، لـقـد تـبـايـن مـفـعـول الـلاشـعـور بـفـضـل مـدرسـة الـتـحـلـيـل الـنـفـسـي بـزعـامـة ( سـيـغـمـونـد فـرويـد S. Freud 1856 – 1939 ) الـذي سـلّـط الأضـواء عـلـى الـجـانـب الـلاشـعـوري مـن الإنـسـان، و أظـهـر فـاعـلـيـتـه فـي مـجـمـل الـحـيـاة الـنـّفـسـيـّة.
و تـعـتـمـد الـمـدرسـة الـفـرويـديـة عـلـى مـنـهـج الـتـداعـي الـحـرّ لـلأفـكـار و فـحـواه إثـارة الـمـريـض لـسـرد مـا يـجـول بـخـاطـره،
و تـوفـيـر كـل مـا يـمـكـن أن يـسـهـم فـي تـسـهـيـل الـتـداعـي لـديـه مـثـل الـجـلـوس الـمـسـتـريـح و الـضـوء الـلـطـيـف و غـيـرهـمـا. .
الـمـحـلـل الـنـفـسـانـي يـسـاعـد الـمـريـض عـلـى طـريـق الـتـّغـلـب عـلـى الـمـقـاومـة و هـي عـامـل نـفـسـي يـمـنـع تـسـرّب أفـكـاره مـن الـلاّشـعـور إلـى الـشـعـور و كـأن الـمـحـلـل يـطـلـب مـنـه أن يـتـحـرّر مـن الـرقـابـة الاجـتـمـاعـيـة و الـعـقـلـيـّة. بـذلـك يـتـعـرف الـمـحـلـل الـنـفـسـانـي عـلـى الـرغـبـات الـمـكـبـوتـة، الـرغـبـات الـمـدفـوعـة فـي الـلاّشـعـور، وبـفـضـل هـذه الـمـحـاورة قـد تـطـفـو عـلـى سـاحـة الـشـعور. و قـد وجـد ( فــرويـد ) مـجـالات تـمـكـنـه الـنـفـاذَ إلـى الرغـبـات الـمـكـبـوتـة مـثـل الأحلام و فـلـتـات الـلـسـان و زلاّت الـقـلـم وغيـرهـا.
لا أحـد يـنـكـر الـيـوم جـدوى الـتـحـلـيـل الـنـفـسـي فـي عـلاج الاضـطـرابـات الـنـّفـسـيـّة و الـعـصـبـيـّة و الـكـشـف عـن تـأثـيـر تـجـارب الـطـفـولـة فـي سـلـوك الـراشـديـن، و قـد قـدم هـذا الـعـلـم خـدمـات كـثـيـرة لـلـمـربـيـن مـنـبـّهـا إلـى خـطـورة الـقـمـع، و مـا يـؤدي إلـيـه الـكـبـت الـقـاسـي مـن اضـطـرابـات فـي الـشـخـصـيـة.
و عـلـى الـرغـم مـن أن ( فـرويـد ) أرجـع كـل تـصـرفـات الإنـسـان إلـى الـلاّشـعـور و بـالـضـبـط إلـى “الـِلـيـّبـيـدو “ ” الـغـريـزة الـمـكـبـوتـة ” يـبـقـى مـنـهـجـه الـوسـيـلـة الـوحـيـدة لـمـعـرفـة الـظـواهـر الـنـّفـسـيـّة الـلاّشـعـوريـة، و بـذلـك يـبـقـى الـتـحـلـيـل الـنـفـسـي قـائـمـا مـادام أنـه يـطـبـق فـي حـدود أثـبـت فـيـهـا فـاعـلـيـتـه و جـدواه.

2 – قـيـمـة الـعـلـوم الإنـسـانـيـّة :

الـتـسـاؤل عـن قـيـمـة الـعـلـوم الإنـسـانـيـة كـمـثـل الـتـسـاؤل عـن قـيـمـة الـعـلـوم الـطـّبـيـعـيـة، مـا يـمـيـز الـعـلـم كـنـشـاط إنـسـانـي أنـه يـهـدف إلـى كـشـف الـعـلاقـات بـيـن الـظـواهـر و كـشـف الـعـلاقـات والـفـهـم شـيء واحـد. بـدون الـعـلـوم الإنـسـانـيـة تـبـقـى الـظـواهـر الانـسـلنـيـة غـامـضـة غـيـر مـفـهـومـة.

أسـئـلـة الـتـّصـحـيـح الـذّاتـي :

– قـيل أن الـمــــؤرّخ يـصـنـع نـفـسـه فـي صـنعـه لـلـتـاريخ. بـيّـن مـوقـفـك بـعـد الـتـحـلـيـل؟.
– لـمـاذا تـعـدّدت الـمـنـاهـج فـي عـلـم الـنـفـس ؟.
– قـال مـفـكـر مـعـاصـر : ” إن أمـل الـبـشـريـة الـوحـيـد فـي الـخـلاص مـن أزمـتـهـا الـحـالـيـة هـو فـي فـهـمـهـا لـطـبـيـعـتـهـا أي فـي تـقـدمـهـا الـعـلـمـي فـي مـجـال الـسـلـوك الإنـسـانـي ” . حـلـل هـذا الـرأي مـتـّخـذاً مـوقـفـاً مـنـه

4 – أجـوبـة الـتـّصـيـح الـذّاتـي :

الإجـابـة عـلـى الـسـّؤال الأول :
الـطـّريـقـة الاسـتـقـصـائـيـة :

طـلـبُ الإحـاطـة :
كـلّ دارس لـعـلـم مـّا، يـؤثـّر ذلـك الـعـلـم فـي شـخـصـيـّتـه، فـدارس الـرّيـاضـيـات تـتـكـوّن لـديـه قـدرات و مـهـارات و يـكـتـسـب إجـراءات، مـثـل الـقـدرة الاسـتـدلالـيـة و غـيـرهـا. فـمـا الآثـار الـتـي يـتـركـهـا الـتـأريـخ فـي شـخـصـيـة الـفـرد ؟
بـيـان طـبـيـعـتـه و إثـبـات وجـوده :

بـيـان قـيـمـتـه :
الـتـأريـخ أقـوى الـعـلـوم تـأثـيـرا عـلـى صـاحـبـه بـإعـلاء و تـقـويـة شـخـصـيـة الـقـائـم بـه.

بـيـان الـحـقـيـقـة :
بـقـدر مـا يـتـأثـر الـمـؤرخ بـعـمـلـه بـقـدر مـا يـفـيـد وطـنـه و أمـتـه وحـتـى الإنـسـانـيـة جـمـعـاء.
و الـهـدف الـثـانـي لـلـعـلـم هـو الـتـنـبـؤ الـذي يـبـنـى عـلـى الـفـهـم ويـقـوم عـلـى أسـاسـه، الـفـهـم هـو نـقـطـة الـبـدء الـتـي يـمـكـن أن نـدخـل مـنـهـا إلـى الـمـجـهـول مـرة أخـرى.
و الـتـنـبـؤ يـكـون جـزءا مـن خـطـة الـتـحـقـيـق الـتـي نـخـتـبـر بـهـا صـحـة مـعـلـومـاتـنـا فـإذا ثـبـت صـحـة تـنـبـؤاتـنـا فـإن مـعـنـي ذلـك أن الـمـعـلـومـات الـتـي أقـمـنـا التـنـبـؤ عـلـى أسـاسـهـا صـحـيـحـة.
الـتـحـكـم هـو الـهـدف الـثـالـث لـلـعـلـم بـاعـتـبـاره نـشـاطـا يـهـدف بـه الإنـسـان إلـى الـسـيـطـرة عـلـى الـطـبـيـعـة لـتـحـقـيـق أحـسـن تـكـيـف مـمـكـن بـالـنـسـبـة لـه، و الـهـدفـان الأولان يـخـدمـان هـذا. لـقـد حـقـقـت الـعـلـوم الإنـسـانـيـة نـجـاحـا مـعـتـبـرا فـي مـيـاديـن عـديـدة، فـبـضـل عـلـم الـنـفـس تـخـاـصـت الـبـشـريـة مـن عـدة أمـراض نـفـسـيـة و بـفـضـل عـلـم الإجـتـمـاع تـخـاـصـت مـن عـدة أمـراض اجـتـمـاعـيـة و إذا عـددنـا فـروع أحـدهـمـا إنـتـابـنـا الاقـتـنـاع بـفـاعـلـيـتـهـمـا و ضـرورتـهـمـا : عـلـم الـنـفـس الـعـام، و عـلـم الـنـفـس الـمـقـارن، و عـلـم نـفـس الـطـفـل، و عـلـم نـفـس الـمـراهـق، عـلـم نـفـس الـراشـد، عـلـم الـنـفـسـي الـمـرضـي، عـلـم الـنـفـس الـلـغـوي، الـتـربـوي، صـنـاعـي، الـحـربـي . . . فكما أن الـعـلـوم الـفـيـزيـائـيـة و الـكـيـمـيـائـيـة و الـبـيـولـوجـيـة ضـروريـة لأي تـقـدم، كـذلـك الـعـلـوم الإنـسـانـيـة تـزداد ضـرورتـهـا بـقـدر تـطـور الـبـشـريـة وتـبـقـى ضـروريـة لـكـل مـجـتـمـع.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock